كنتُ في تلك الأيام أؤمن بأنني رجل لا يخاف. أربع سنوات من الكاراتيه، وبعض دروس الكونغ فو، وثقة الشباب التي لا تعرف الحدود.
ثم جاء الكلب.
الطريق الريفي
كانت عادتي في قيلفورد أن أمشي مسافات طويلة. المشي كان وسيلتي للتفكير، وللتعرف على المدينة، وللهروب من ضيق الغرفة الصغيرة التي كنت أسكنها. وفي أحد تلك المشاوير، أخذتني قدماي إلى طريق ريفي ضيق على أطراف المدينة — طريق جميل، هادئ، تحفّه الأشجار من الجانبين.
كنتُ أمشي وأفكّر في أمور الدراسة، وفي الرسالة التي سأكتبها لأهلي، وفي الطعام الذي سأطبخه مساءً.
ثم سمعت الصوت.
لحظة الحقيقة
نباح عالٍ، ثم صوت أقدام تجري بسرعة. التفتُّ فرأيته — كلب ضخم، أسود، يجري نحوي بكل ما أوتي من قوة، وفمه مفتوح، وعيناه مثبّتتان عليّ.
في تلك اللحظة، سألتُ نفسي سؤالاً واحداً: أين الكاراتيه؟
الجواب جاء فورياً وبلا تردد: لا أعرف.
ما أعرفه — وما اكتشفته في تلك اللحظة — هو أن قدميّ تعرفان شيئاً لا يعرفه عقلي: كيف تجريان بسرعة لم أكن أعلم أنني أملكها.
العدو الكبير
ركضتُ. ركضتُ كما لم أركض في حياتي. ركضتُ وأنا أسمع الكلب خلفي يزداد قرباً. ركضتُ حتى وجدتُ سياجاً خشبياً على جانب الطريق، فقفزتُ عليه بحركة لم أكن أعلم أنني قادر عليها.
وقفتُ على الجانب الآخر من السياج، أتنفس بصعوبة، وأنظر إلى الكلب الذي وقف على الجانب الآخر ينبح بغضب — ثم انصرف كأن شيئاً لم يكن.
ما بقي من الكاراتيه
جلستُ على العشب وأنا أستعيد أنفاسي، وأفكّر في كل تلك الدروس التي تعلّمتها. كل تلك الضربات والحركات والتقنيات.
ولم يبقَ منها في لحظة الحقيقة سوى شيء واحد: العدو السريع.
وهذا — كما اكتشفتُ لاحقاً — ليس فشلاً. هذا حكمة. لأن الشجاعة الحقيقية ليست في مواجهة كل شيء، بل في معرفة متى تواجه ومتى تبتعد. والكلب المتوحش في الطريق الريفي علّمني هذا الدرس بطريقة لم يستطع أي كتاب أن يعلّمه إياي.
*هذه القصة مقتطف من كتاب مرافئ الذكريات للمستشار غازي بن حمدان الشاعر — ذكريات من سنوات الدراسة في بريطانيا.*