ثمة لحظات في حياة الإنسان تكشف له عن نفسه أكثر مما تكشفه سنوات من التأمل الهادئ. واحدة من تلك اللحظات وقعت لي في صباح جدة، حين وجدت نفسي جالساً في قاعة اجتماعات بفندق فخم، أمام شابين خليجيين ينتظران أن يسمعا من "المليونير العقاري" خبرات عقود في السوق السعودي — وأنا الذي لم أكن أملك في تلك الساعة ثمن وقود سيارتي.
كيف وصلت إلى هناك؟
في مسيرتي المهنية التي امتدت لأكثر من أربعين عاماً، مررت كغيري بفترات انتقالية بين وظيفة وأخرى — تلك الفجوات الزمنية التي يسميها الناس "الفراغ الوظيفي" وتسميها أنا "محطات التفكير القسري". وفي إحدى تلك المحطات، كنت أملأ وقتي بالمشاركة في جلسات استطلاع رأي تنظمها شركات كبرى قبل دخول منتجاتها السوق السعودي. كان الوسيط يجمعنا — أناساً من أعمار وخلفيات مختلفة — ويأخذ آراءنا مقابل ضيافة كريمة وهدايا لا بأس بها.
ذات صباح، اتصل بي الوسيط وفي صوته توتر واضح: "أستاذ غازي، أحتاجك الآن. هناك وفد خليجي يريد مقابلة رجل أعمال عقاري. الشخص الذي اتفقت معه اعتذر في اللحظة الأخيرة. أرجوك ارتدِ أفخر ما لديك وتعال إلى فندق البلاد على الكورنيش."
ضحكت في سري. أفخر ما لديّ؟ نعم. لكن ما لم يعرفه الوسيط هو أن البدلة الأنيقة كانت هي الشيء الوحيد الذي يفصلني عن صورة رجل الأعمال الذي يريده.
أداء المشهد الأول
وصلت إلى الفندق وأنا أرتدي أفخر ثيابي، أمشي بخطوات من يعرف أين يذهب. وجدت الشابين في البهو — أنيقان، مهذبان، يحملان دفاتر ملاحظات. رحّبا بي بحفاوة وعرضا القهوة.
هنا دخلت في الدور كلياً. قلت بنبرة من لا يملك وقتاً: "وقتي ضيق جداً، أستطيع أن أمنحكم ربع ساعة فقط." تفاجآ: "ربع ساعة؟ اتفقنا على ساعة كاملة!" ألقيت باللائمة على الوسيط الذي "لم يخبرني بالحقيقة"، ووافقت على الساعة كاملة بتذمر مصطنع.
دخلنا قاعة الاجتماعات. بدأت الأسئلة: أسعار الأراضي في جدة، الأبراج، المشاريع المستقبلية. ولحسن حظي — أو ربما لسوء حظي لاحقاً — كنت قد عملت في شركتين عقاريتين، فكانت لديّ خلفية معقولة أديت بها دور المليونير بما يكفي لإقناعهما.
الفخ الذي نصبته لنفسي
ثم انتقل الحديث إلى مكة المكرمة. وبدلاً من أن أعترف بمحدودية معرفتي، قلت بثقة مبالغ فيها: "مكة هي ملعبي الأساسي، أنا مقيم فيها رغم تواجدي الحالي في جدة."
ابتلعا الطعم، وجاء السؤال الحاسم: "كم يبلغ سعر المتر المربع في المنطقة المركزية حول الحرم؟"
حسبت في رأسي بسرعة، وقلت بثقة لا تقبل الشك: "مئة ألف ريال للمتر الواحد."
تبادلا نظرة. ثم استأذنا وخرجا للتشاور.
في تلك اللحظة أدركت أنني رميت بنفسي في الفخ. الرقم كان خيالياً بعيداً عن الواقع. وكنت قد قلته بثقة تامة لا تقبل التراجع.
الهروب الكبير
حين عادا، كانت ملامحهما قد تغيرت. أدركا أن شيئاً ما لا يستقيم. كان عليّ أن أتصرف.
أمسكت هاتفي وتظاهرت بأنه يرن: "ألو... نعم؟ الصوت غير واضح، انتظر." التفت إليهما معتذراً: "مكالمة هامة من الوالد، سأخرج لثوانٍ وأعود فوراً."
خرجت من الغرفة ولم أعد.
ركضت نحو سيارتي — تلك السيارة القديمة المتهالكة التي تحمل على جسدها آثار أكثر من حادثة. وحين وصلت إليها، وجدت الشابين واقفَين على باب الفندق يراقبانني. كانا قد شكّا في أمري وأرادا أن يروا سيارة "المليونير".
ركبت وانطلقت، تاركاً خلفي وفداً مصدوماً، ووسيطاً في ورطة، وذكرى لن تغيب.
ما الذي تعلّمته من ذلك اليوم؟
هذه القصة طريفة في ظاهرها، لكنها تحمل في باطنها سؤالاً جدياً يستحق التأمل: لماذا نتجاوز حدود ما نعرف؟
ليس الجواب دائماً الغرور أو الكذب. أحياناً يكون الدافع هو الخوف من أن نبدو أقل مما يتوقع منا الآخرون. وأحياناً يكون الدافع هو الإيمان بأن الثقة وحدها قادرة على تعويض الفجوات في المعرفة — وهذا وهم خطير.
الدرس الذي أحمله من ذلك الصباح ليس "لا تكذب" — فهذا أبسط من أن يحتاج إلى قصة. الدرس الحقيقي هو: حدود معرفتك هي أمانتك. حين تتجاوزها بثقة زائفة، فأنت لا تخدع الآخرين فحسب — بل تخدع نفسك أولاً، وتبني على أساس من الوهم ما لن يصمد حين تأتي الأسئلة الحقيقية.
الخبير الحقيقي لا يخشى أن يقول "لا أعرف". بل إن هذه الجملة الثلاثية هي من أعلامات العلم الحقيقي — لأن من لا يعرف حدود جهله لا يعرف حدود علمه.
أما أنا، فقد علّمتني تلك السيارة المتهالكة درساً لم تعلّمه إياي أي بدلة أنيقة: الواقع دائماً ينتظرك عند باب الفندق.
*هذه القصة هي الحلقة الأولى من سلسلة مرافئ الذكريات على منصة مِدَاد. يمكنك قراءة النسخة الأصلية الكاملة على موقع غازي الشاعر الشخصي.*