حجم الخط:(عادي)

في الساعات الأولى من صباح الأول من مارس 2026، استيقظ العالم على خبر غيّر معادلات المنطقة بالكامل. طائرات أمريكية وإسرائيلية شنّت ضربات جوية منسّقة على منشآت عسكرية وقيادية إيرانية في طهران وأصفهان وعدد من المدن الكبرى. لم يكن الأمر مجرد ضربة تحذيرية، بل كانت عملية عسكرية واسعة النطاق وصفتها وسائل الإعلام الغربية بأنها "الأكبر في تاريخ المنطقة منذ عقود."

بعد اثني عشر يوماً من اندلاع الحرب، وصل عدد الضحايا المدنيين داخل إيران إلى ما لا يقل عن 1348 شخصاً وفق تقديرات منظمة هرانا الحقوقية، فيما تجاوز عدد الجرحى سبعة عشر ألفاً. هذه الأرقام المأساوية تُخفي وراءها قصصاً إنسانية لا تُحصى، لأسر فقدت معيلها، ومدن تحوّلت إلى أنقاض، وشعب يصوم رمضان وسط دوي الانفجارات.

كيف وصلنا إلى هنا؟

لفهم ما يجري، لا بد من العودة قليلاً إلى الوراء. التوترات بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، ليست وليدة اليوم. لكن الأشهر الأخيرة شهدت تصعيداً متسارعاً بدأ بتقارير استخباراتية عن تقدّم إيران نحو امتلاك سلاح نووي، ثم جاءت الضربات لتُوقف هذا المسار بالقوة.

الرواية الأمريكية الإسرائيلية تقول إن الضربات كانت "ضرورة دفاعية" لمنع إيران من تجاوز العتبة النووية. الرواية الإيرانية تصف ما جرى بأنه "عدوان سافر" على دولة ذات سيادة. والعالم ينقسم بين من يؤيد ومن يعارض، لكن الضحايا المدنيين لا يعرفون شيئاً عن هذه الروايات.

تداعيات على المنطقة العربية

المشهد الأكثر تعقيداً هو موقف دول الخليج. السعودية والإمارات وقطر وجدت نفسها في مكان بالغ الحرج. من جهة، هي دول تربطها علاقات وثيقة مع الولايات المتحدة وتستضيف قواعدها العسكرية. ومن جهة أخرى، هي دول تعيش على مقربة من إيران وتعرف أن أي تصعيد يمسّها مباشرة.

كتبت صحيفة الغارديان البريطانية في التاسع من مارس أن "دول الخليج وجدت أن صورة الاستقرار التي روّجت لها طويلاً قد تبدّدت." فالمسيّرات الإيرانية التي استهدفت ناقلات نفط في مضيق هرمز، والتقارير عن تحوّم مسيّرات فوق بعض الدول الخليجية، كلها تُرسل رسالة واضحة: لا أحد بمنأى عن هذه الحرب.

مضيق هرمز: الشريان المُهدَّد

مضيق هرمز ليس مجرد ممر مائي. إنه الشريان الذي يضخ نحو 20% من نفط العالم يومياً. حين تتعرض ناقلات النفط للهجوم في هذا المضيق، كما حدث في الحادي عشر من مارس، فإن ذلك يُرسل موجات صدمة عبر الاقتصاد العالمي بأسره.

مجموعة السبع اجتمعت وأعطت الضوء الأخضر لاستخدام احتياطيات النفط الاستراتيجية لتهدئة الأسواق. لكن الاحتياطيات ليست حلاً دائماً، وإذا طال أمد النزاع فإن أسعار النفط ستتجاوز كل التوقعات.

رمضان في ظل الحرب

ما يزيد المشهد مأساوية أن كل هذا يحدث في شهر رمضان المبارك. ملايين المسلمين في إيران ولبنان والمنطقة يصومون وسط الحرب، يبحثون عن الأمان والطمأنينة في وقت كانوا يتوقعون فيه السكينة والروحانية. كتبت صحيفة نيويورك تايمز تقريراً مؤثراً عن أسر لبنانية تفطر على ما تجده دون أن تعرف أين ستنام الليلة.

إلى أين تتجه الأمور؟

المشهد ضبابي ومتقلّب. لا أحد يستطيع أن يُحدّد بيقين كيف ستنتهي هذه الأزمة. لكن المؤكد أن المنطقة لن تعود كما كانت. الخرائط الجيوسياسية تُعاد رسمها، والتحالفات تتشكّل من جديد، والشعوب تدفع الثمن.

ما يمكن قوله بيقين هو أن الحلول العسكرية لم تُحلّ أزمة واحدة في تاريخ المنطقة، بل أضافت إليها أزمات جديدة. والأمل الوحيد يبقى في الدبلوماسية والحوار، مهما بدا ذلك بعيداً في هذه اللحظة.