أسطورة معلم الفطائر — من رماد الخسارة إلى وهج التجربة

في محطة أخرى من محطات مسيرتي المهنية المتقلبة وبعد أن طويت صفحة عملي في مدينة خميس مشيط حزمت حقائب أيامي عائداً إلى أحضان مدينتي الأثيرة جدة — لم أكن أعلم حينها أن الأقدار تخبئ لي منعطفاً حاداً سيحفر في ذاكرتي ندوباً من التعب الممزوج بشغف التجربة.

في محطة أخرى من محطات مسيرتي المهنية المتقلبة وبعد أن طويت صفحة عملي في مدينة خميس مشيط وحزمت حقائب أيامي عائداً إلى أحضان مدينتي الأثيرة جدة تلك المدينة التي لا تنام ولا تترك العائد إليها دون أن تدخله في دوامة جديدة من مغامرات الحياة

لم أكن أعلم حينها أن الأقدار تخبئ لي منعطفاً حاداً لم أخطط له يوماً ولكنه حفر في ذاكرتي ندوباً من التعب الممزوج بشغف التجربة وترك لي كنوزاً من الدروس لا تُقدر بثمن

بدأت فصول هذه الحكاية بمصادفة غريبة وكأن خيوط القدر كانت تنسج لي فخاً من حيث لا أحتسب

في ذلك الوقت كانت هناك مطبوعات إعلانية أسبوعية توزع مجاناً في الأسواق وعند ابواب المنازل ولا أعرف حتى يومنا هذا ما الذي دفعني لالتقاط إحداها وما الذي جعل عيني تقع تحديداً على إعلان صغير قابع في إحدى الزوايا كُتب فيه بخط بارز: "مطعم للتقبيل للجادين فقط"

مدفوعاً بفضول غامض ورغبة غير مبررة في خوض غمار التجارة التقطت سماعة الهاتف واتصلت بالرقم

ردّ عليّ رجل يمتلك من طلاقة اللسان وحلاوة البيان ما يجعلك تشتري الوهم وأنت تبتسم

حددنا موعداً للقاء وهناك جلس أمامي وبدأ يعزف لي لحناً مغرياً عن هذا البزنس واصفاً إياه بأنه منجم ذهب مهجور ومؤكداً لي بعبارات منمقة تكاد تقطر شهداً أنه كان مشروعاً ناجحاً يدر الأرباح الطائلة وأن إغلاقه لم يكن سوى لظروف قهرية ألمت به لا علاقة لها بنجاح المشروع أو فشله

بأسلوبه المعسول وتصويره الوردي الذي جعلني أرى المطعم وكأنه قلعة من قلاع التجارة أقنعني بالدخول في مغامرة شراء هذا الكيان

وهنا وقعت في شباك غلطة العمر الأولى

لم أكن أفقه حرفاً في أبجدية إدارة المطاعم ولم أكن أمتلك من الخبرة ما يؤهلني للتفريق بين العجين واللحم ناهيك عن إدارة مشروع تجاري متكامل والأدهى من ذلك أنني لم أمتلك رأس المال الكافي الذي يضمن لي تغطية المصاريف التشغيلية لسنة أو سنتين وهي الفترة الحرجة التي يحتاجها أي مشروع وليد حتى يشتد عوده ويقف على قدميه

ورغم كل هذه الموانع وبجرأة غير محسوبة تدفعها حماسة البدايات العمياء اقتحمت هذا الميدان المجهول

ولأن جيوبي كانت خاوية من السيولة الكافية وجدت نفسي مضطراً لقرع أبواب الديون فلجأت إلى البنك واقترضت مبلغاً كبيراً أجرى معاملته أخي وللأسف الشديد تبخّر ذلك المبلغ الضخم بأكمله في دفع قيمة التقبيل

كان هذا هو الدرس الأول والأقسى في مدرستي الجديدة: لقد دخلت المشروع مغمض العينين مسلوب الإرادة أمام بريق الكلمات دون أن أستشير أهل الاختصاص أو أسأل خبيراً عن القيمة الحقيقية لهذا الكيان

اكتشفت لاحقاً وبعد أن طارت الطيور بأرزاقها أن هذا المطعم لو عُرض في مزاد علني بأغلى الأثمان لما تجاوزت قيمته الحقيقية خمسة عشر ألف ريال

والحقيقة المرة التي يجب أن أعترف بها هي أنني كنت قد رأيت المطعم قبل إتمام الصفقة لكن لقلة خبرتي وسذاجتي التجارية في ذلك الوقت لم أستطع قراءة العلامات التحذيرية الصارخة

نظرت إليه بعين الحالم لا بعين التاجر فلم أدرك أنه بزنس خاسر مقفل منذ فترة ليست قصيرة تفوح منها رائحة الفشل

لم أدرك حينها خطئي الثاني والفادح: المكان الناجح يجب أن يكون حيوياً ينبض بالحياة سهل الوصول إليه تتوفر فيه مواقف للسيارات والأهم من ذلك كله ألا يكون مغلقاً لفترة طويلة تثير الريبة

وقفت وسط تلك الخرابة الكئيبة أضرب أخماساً في أسداس وتتقاذفني أمواج الحيرة

كنت أمام خيارين أحلاهما مر كالعلقم: إما الغرق في وحل الديون مجدداً لاقتراض مبلغ تشغيلي ينقذ ما يمكن إنقاذه أو الاعتماد على النزر اليسير المتبقي في جيبي ومحاولة بث الروح في هذا المكان الميت بجهود ذاتية بحتة

وبطبيعة الحال اخترت الخيار الثاني ويممت وجهي نحو رحلة البحث المضنية عن طاقم العمل الذي سيشاركني هذه المغامرة المحفوفة بالمخاطر

كان المطعم متخصصاً في الفطائر والشاورما وهما مجالان يحتاجان إلى معلمين من طراز خاص

نصحني العارفون بخبايا السوق بالتوجه إلى منطقة بني مالك وتحديداً بين شارعي الستين وغرناطة والمكرونة وهي منطقة شعبية عريقة كانت تعج بالمقاهي وتُعد في ذلك الزمان نقطة التجمع الرئيسية للعمالة التركية الماهرة أسياد هذه الصنعة

هناك ومن خلال السؤال والتقصي والانتقال من مقهى إلى آخر اهتديت إلى أبو علي

عسكري تركي سابق ذو بنية قوية وشارب كثيف يحمل في ملامحه صرامة الجندية وشارك في شبابه في تحرير الجزء التركي من جزيرة قبرص

أخبرني أبو علي بصراحته العسكرية أنه خبير في الشاورما وأنه لا يفقه في الفطائر شيئاً لكنه وعدني بإحضار فاتح الأندلس في عالم المعجنات

ولم يخلف وعده

جاءني في اليوم التالي بشاب صغير السن يُدعى يوسف كان قد صقل مهاراته وعجن خبرته في أحد أكبر مطاعم البيتزا العالمية في قطر وكانت يداه كما يقال تُلف بحرير

اصطحبت معي أبو علي ويوسف لفتح أبواب المطعم والبدء في العمل كانت المفاجأة الصاعقة من نصيبهما أولاً

وقفا مشدوهين أمام ذلك الباب الحديدي الصدئ وما إن فتحناه حتى صرخا في وجهي بصوت واحد: "هذا ليس مطعماً يا أستاذ غازي — هذه خرابة"

كان المكان أشبه بكهف مهجور منذ سنوات طوال مرتعاً تعيث فيه الصراصير والفئران فساداً وتكسوه طبقات كثيفة من الغبار المتراكم الذي يحكي قصة هجران طويلة

كلماتهم نزلت عليّ كالصاعقة وأيقظتني من غفلتي لأواجه الواقع المرير

لكن استعنا بالله وشمرنا عن سواعدنا وبعد يومين من التنظيف الشاق وإزالة ركام الهجران وغسل الجدران والأرضيات عاد للمطعم شيء من بريقه المفقود

نزلنا معاً إلى حلقة الخضار واللحوم في جدة واشترينا مستلزمات الافتتاح التجريبي وكأننا نجهز لوليمة عرس

في البداية كان الأداء مبهراً يفوق التوقعات

أبو علي كان معلم شاورما فناناً حقيقياً يصنع شاورما لا يُعلى عليها بتتبيلة سحرية لا يعرف سرها سواه

حتى أنني ولتقليل النفقات كنت أستخدم اللحم البرازيلي المثلج لرخص ثمنه مقارنة باللحم المحلي الباهظ ومع ذلك كان الزبائن يتذوقون الشاورما ويقسمون أغلظ الأيمان أنه لحم بلدي طازج من شدة لذته وطراوته

أما يوسف فكان ساحراً في عالم الفطائر يعجن ويخبز بمهارة تلفت الأنظار

اتفقنا على رواتب مجزية بلغت ثلاثة آلاف ريال لكل منهما وهو مبلغ يُعدّ ثروة في ذلك الوقت على أمل أن نستقدم عمالة أرخص من الخارج لاحقاً إذا نجح المشروع واستقرت سفينته

مرت الأسابيع الأولى بسلام وبدأ العمل يزدهر والزبائن يتوافدون زرافات ووحداناً ورائحة النجاح بدأت تفوح مع رائحة الشاورما والفطائر

وفي الأسبوع الثالث جاءني يوسف باقتراح ذكي: أن نتوقف عن شراء الخبز الجاهز للشاورما من المخابز وأن يصنع هو فطائر نلف بها الشاورما ونبيعها كـ ساندويتش"صاروخ" بسعر أعلى لنضاعف الأرباح

وافقت بحماس شديد ونجحت الفكرة نجاحاً باهراً وزادت مبيعاتنا بشكل ملحوظ وبدا أننا وجدنا الدجاجة التي تبيض ذهباً

لكن كما يقال تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن

في الأسبوع الرابع حدث ما لم يكن في الحسبان

طلب أبو علي من يوسف تجهيز بعض الفطائر لتلبية طلبات الشاورما المتزايدة

نقلت الطلب ليوسف بكل أدب فإذا به يثور فجأة كبركان هائج ويصرخ بصوت عالٍ أمام الزبائن المندهشين: "أنا لست متفرغاً — اذهبوا واشتروا الخبز الجاهز من المخبز"

ذكّرته بهدوء بأن الفكرة كانت فكرته من البداية وأنه كان بإمكانه التراجع وإخبارنا بعدم قدرته على الاستمرار فيها دون إحداث هذه الجلبة لكنه استمر في صراخه وعناده

تمالكت نفسي بصعوبة بالغة وكظمت غيظي حتى انصرف الزبائن ثم أغلقت باب المطعم وواجهته وجهاً لوجه

ذكرته بعيوبه وتصرفه غير اللائق وغروره الذي أعمى بصيرته قال بتحدٍ وصلف: "إذا لم يعجبك عملي فمشّني"

لم أتردد لحظة واحدة أخرجت جواز سفره من جيبي ورميته له قائلاً بحزم وحسم: "اهذا جوازك انا لا اريد أن أرى وجهك — أطفئ الفرن وغادر المطعم فورا وهذا الذي حدث

خرج يوسف غاضباً يجر أذيال الخيبة دون أن يودع حتى زميله أبو علي الذي كان مندمجاً كعادته مع سيخ الشاورما لا يلتفت يميناً ولا يساراً وكأنه في عالم آخر

عندما علم أبو علي بما حدث تفاجأ بشدة لكنه أظهر شهامة الجندية غير المتوقعة قائلاً بحماس: "لا تقلق — أنا سأستلم الفرن والشاورما معاً"

لكن الجهد كان جباراً يفوق طاقة البشر فالمسافة بين سيخ الشاورما الموجود في مقدمة المطعم والفرن الموجود بالداخل طويلة وترهقه بشدة

كان يركض ذهاباً وإياباً وبدأت جودة الفطائر تتراجع بشكل ملحوظ فتخرج أحياناً محترقة الأطراف

هنا أدركت الدرس الثالث والأهم: القيادة الحقيقية تتطلب النزول إلى الميدان وتلطيخ اليدين بالدقيق والزيت

لم أجد بداً من التدخل بنفسي

خلعت عباءة المدير وارتديت مريلة الشيف

بدأت أراقب وأتعلم أسرار العجن والخبز الى ان أصبحت أقف أمام الفرن المشتعل أجهز البيتزا والفطائر وأراقب نضجها وأحاسب الزبائن بابتسامة لا تفارق وجهي

تطور الأمر معي يوماً بعد يوم واكتشفت في نفسي شغفاً خفياً للابداع في عالم المطاعم فصرت أصنع البسبوسة والمعمول والكنافة بأنامل خبيرة

ولما رأى أبو علي جديتي وتفانيّ ووقوفي معه كتفاً بكتف تحمس هو الآخر وبدأ يقدم إبداعاته في المشويات من كباب وأوصال وتوسعنا لتقديم إيدامات العدس والفاصوليا و الأرز

أطلقت العنان لإبداعي وابتكرت أصنافاً جديدة بمسميات جذابة تثير فضول الزبائن مثل "برجر بالفرن" حيث كنت أضع قطعة البرجر في أطباق تيفال صغيرة وأدخلها الفرن لتباع بسعر أعلى وشكل مبتكر

وسّعت نشاط المطعم لتقديم إفطار صباحي فكنت أعمل من السابعة صباحاً حتى الثانية عشرة ظهراً ثم أعود إلى منزلي للراحة قليلاً لأعود عصراً وأستمر في العمل الشاق حتى منتصف الليل

استمر هذا الماراثون الجسدي والنفسي لاقل من سنة انقطعت فيها عن العالم الخارجي وألغيت حياتي الاجتماعية تماماً وتفرغت بالكامل للعجين والنار ورضا الزبائن

وذات مساء زارني زبون تبيّن لاحقاً أنه مراسل متعاون مع جريدة عكاظ العريقة

أعجب بقصتي وبمهارتي التي اكتسبتها في رمي عجينة البيتزا في الهواء بحركات بهلوانية لفتت انتباه المارة وجعلتهم يتجمهرون أمام واجهة المطعم

وعدني بإحضار مصور لعمل تقرير صحفي عني ولم أصدقه حينها ظاناً أنها مجرد مجاملة عابرة

لكنه عاد بعد يومين ومعه المصور المحترف وبدأت ومضات الكاميرات تضيء المكان وسط دهشة الجميع

وبعد أسبوعين نُشر تقرير رائع ومفصل احتل ربع صفحة في جريدة عكاظ متوجاً بمانشيت عريض: "غازي — من الطب إلى العجين"

كان هذا التقرير بمثابة طوق النجاة ونقطة التحول الكبرى في مسيرتي

قرأه رجل أعمال كبير يمتلك شركات ومؤسسات وأعجب بكفاحي وقصتي وإصراري ف ارسل مستشاره الخاص وعرض عليّ العمل معه كمدير لمكتبه الخاص والذي يدير منه شركاته قائلاً جملة لا أنساها: "أنت تذكرني بشبابي وكفاحي وأريد شاباً مكافحاً لا يهاب العمل مثلك ليدير أعمالي"

كنت أنا وأبو علي قد وصلنا إلى مرحلة الإنهاك التام والاستنزاف المطلق ولم نعد قادرين على الاستمرار في هذا الماراثون اليومي القاتل خاصة بعد فشلنا الذريع في إيجاد عمالة بديلة تمتلك نفس مستوى النظافة والاحترافية والأمانة التي وصلنا إليها وصنعنا بها اسمنا

قررنا أخيراً وبقلوب منهكة حزينة إغلاق المطعم وتقبيله

عرض عليّ أبو علي مشترياً من بني جلدته بمبلغ جيد جداً كان كفيلاً بتعويض جزء كبير من خسائري

لكنني وبدافع من العزة بالإثم ورغبة عمياء في تعويض كل خسائري دفعة واحدة وتحقيق ربح خيالي رفضت العرض بشدة

حذرني أبو علي بصدق وحرقة قائلاً: "بِع الآن يا أستاذ غازي فلن تجد مشترياً لاحقاً والسوق متقلب"

وكان محقاً تماماً فبعد أسابيع من المكابرة والعناد اضطررت صاغراً لبيعه بربع ذلك السعر الذي عُرض عليّ في اليوم الأول

وهكذا أُسدل الستار على أسطورة معلم الفطائر وانتقلت إلى فصل جديد مع رجل الأعمال تاركاً خلفي مطعماً وعرقاً ودروساً حفرت في وجداني بماء النار


خلاصة وتأملات للمقبلين على عالم الأعمال

تلك التجربة المريرة والثرية في آن واحد لم تكن مجرد خسارة مالية بل كانت دورة مكثفة في إدارة الأعمال والحياة أضع عصارتها بين يدي كل مقبل على هذا العالم المليء بالتحديات

الاستشارة قبل الاستخارة لا تقتحم مجالاً لا تفهمه ولا تغرك الكلمات المعسولة إلا بعد دراسة متأنية واستشارة أهل الاختصاص والخبرة الحقيقية الدخول على عماك هو أقصر طريق لحرق مالك ووقتك

اختيار الموقع بعناية جراح.

المكان هو شريان الحياة بل هو القلب النابض لأي مشروع تجاري تأكد من حيويته وسهولة الوصول إليه وتوفر مواقف السيارات وخلوه من أي سمعة سيئة أو مشاكل نظامية سابقة قد تلتف حول عنق مشروعك كحبل المشنقة

التخطيط المالي الصارم لا تبدأ مشروعاً دون وجود ميزانية تشغيلية احتياطية تكفيك لسنة على الأقل رأس المال ليس فقط لتأسيس المشروع ودفع الإيجار بل هو الأكسجين الذي يضمن بقاءه حياً حتى يبدأ في جني الأرباح

الإدارة الميدانية الحازمة كصاحب عمل يجب أن تكون مستعداً للنزول إلى الميدان وتلطيخ يديك بالعمل وسد أي ثغرة. القيادة ليست بالجلوس خلف المكاتب الوثيرة بل بالقدرة على إدارة الأزمات وابتكار الحلول والوقوف مع طاقم العمل كتفاً بكتف

المرونة وتجنب المكابرة لا تدع العزة بالإثم تمنعك من قبول الخسارة الصغرى لتتجنب الخسارة الكبرى الماحقة. الاعتراف بالخطأ في الوقت المناسب والانسحاب التكتيكي من أهم سمات التاجر الناجح والذكي