حجم الخط:(عادي)

في رحاب الأدب الفلسطيني، تتجلى قامات شامخة أبت الانحناء، وصدحت بالحق في وجه الظلم، فكانت كلماتها قذائف تزلزل عروش الطغاة، وأناشيد تلهب حماس الجماهير. ومن بين هذه القامات الشامخة، يبرز اسم الشاعر توفيق زياد، الذي لم يكن مجرد شاعر، بل كان رمزًا للصمود والمقاومة، وصوتًا للحق الفلسطيني الذي لا يلين.

سيرة شاعر الصمود

ولد توفيق أمين زياد في مدينة الناصرة الفلسطينية في السابع من أيار عام 1929 [1]. نشأ في بيئة مليئة بالتحديات، حيث كانت فلسطين ترزح تحت وطأة الانتداب البريطاني، وبدأت ملامح النكبة تتشكل في الأفق. تلقى تعليمه في مدارس الناصرة الحكومية، وحصل على الشهادة الثانوية عام 1946 [1]. خلال دراسته، بدأ اهتمامه بالسياسة يتجلى، متأثرًا بأساتذته الذين كانوا يطلعونه على ما تنشره صحيفة

"الاتحاد" ومجلة "المهماز" [1]. شارك زياد في قيادة مظاهرة طلابية عام 1946 ضد السياسة البريطانية المؤيدة للصهيونية، مما يدل على وعيه المبكر بالقضية الفلسطينية [1].

بعد نكبة عام 1948، التي أدت إلى تهجير مئات الآلاف من الفلسطينيين، تشبث توفيق زياد بأرضه ووطنه، رافضًا فكرة الرحيل أو التخلي عن هويته. انضم إلى "عصبة التحرر الوطني في فلسطين"، وهي حركة سياسية ضمت الشيوعيين العرب الذين انفصلوا عن رفاقهم اليهود في الحزب الشيوعي الفلسطيني عام 1944. لاحقًا، انضم إلى "الحزب الشيوعي الإسرائيلي" الذي أُعلن عن قيامه في تشرين الأول/أكتوبر 1948 [1]. في هذه الفترة المبكرة، بدأ زياد ينشر أولى قصائده، التي عكست حبه العميق للأدب والثقافة، وشكلت نواة لمسيرته الشعرية الملتزمة [1].

لم تكن حياة توفيق زياد مجرد مسيرة أدبية، بل كانت نضالًا مستمرًا ضد الظلم والاحتلال. في سنوات الخمسينيات والستينيات، نشط زياد في العمل النقابي بمدينة الناصرة، حيث كان عضوًا فاعلًا في "مؤتمر العمال العرب"، ثم في الكتلة الشيوعية داخل منظمة "الهستدروت". كتب العديد من المقالات في صحيفة "الاتحاد" الحيفاوية، مركزًا على أوضاع العمال العرب في إسرائيل [1].

كانت مواقفه السياسية الصريحة سببًا لاعتقاله عدة مرات. في آذار 1954، اعتقلته الشرطة الإسرائيلية بعد مظاهرة احتجاجية ضد قانون "ضريبة الرأس" المفروض على المواطنين العرب، وحكمت عليه محكمة عكا العسكرية بالسجن 40 يومًا بتهمة "الشغب" [1]. وفي عام 1958، اعتقل مرة أخرى بعد مظاهرة نظمها الحزب الشيوعي سرًا، وأمضى ستة أشهر في سجني "الجلمة" و"الدامون"، وهي فترة تحولت إلى منجم للإبداع الشعري، حيث كتب العديد من قصائده التي أصبحت رمزًا للصمود [1].

تلقى زياد تعليمًا أكاديميًا معمقًا في "معهد العلوم الاجتماعية" بموسكو بين عامي 1962 و1964، حيث درس الفلسفة والاقتصاد السياسي، مما أثرى فكره ووعيه السياسي [1]. بعد عودته، انتخب سكرتيرًا لفرع الناصرة للحزب الشيوعي عام 1964 [1]. وفي عام 1965، كان من أبرز الأعضاء العرب الذين أسسوا "القائمة الشيوعية الجديدة" (راكاح) بعد الانقسام داخل الحزب الشيوعي الإسرائيلي [1].

تولى توفيق زياد رئاسة تحرير مجلة "الجديد" الأدبية عام 1966، وهي مجلة الحزب الشيوعي، مما منحه مساحة أوسع للتعبير عن رؤاه الأدبية والسياسية [1]. وفي مطلع السبعينيات، أوفدته قيادة حزبه إلى براغ ليمثلهم في هيئة تحرير مجلة "قضايا السلم والاشتراكية"، حيث تابع شؤون الطلاب الموفدين إلى جامعات الدول الاشتراكية [1].

كانت مسيرته السياسية حافلة بالإنجازات، ففي عام 1973، انتخب زياد نائبًا للكنيست الإسرائيلي عن "القائمة الشيوعية الجديدة" [1]. وفي عام 1975، حققت قائمة "جبهة الناصرة الديمقراطية" التي ترأسها فوزًا ساحقًا في انتخابات المجلس البلدي للناصرة، بنسبة 67% من الأصوات، ليصبح زياد رئيسًا للبلدية [1].

كرس زياد حياته لخدمة شعبه، وجعل من الناصرة عاصمة سياسية وثقافية. فتح جلسات المجلس البلدي أمام الجمهور، وناضل من أجل مساواة الناصرة في الميزانية مع المدن الأخرى. كما بادر إلى تنظيم مخيمات العمل التطوعي التي استمرت سنويًا من عام 1976 حتى 1992 [1].

لعب زياد دورًا محوريًا في إنجاح إضراب "يوم الأرض" التاريخي في الثلاثين من آذار 1976، حيث تصدى بحزم لمحاولات إفشال الإضراب، وتعرض نتيجة لذلك للاعتداء الجسدي ومحاولة إحراق منزله [1]. ساهم أيضًا في تأسيس "الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة" بعد النجاح الباهر لجبهة الناصرة الديمقراطية [1].

استقال من عضوية الكنيست عام 1990، لكنه عاد إليها عام 1992 تحت الضغط الجماهيري والحزبي، رئيسًا لقائمة "الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة" [1]. تعرض زياد خلال حياته لمحاولات اغتيال عديدة باءت كلها بالفشل [1].

توفي توفيق زياد في الخامس من تموز عام 1994 في حادث سير مروع، وهو في طريق عودته من أريحا بعد مشاركته في استقبال الرئيس ياسر عرفات، تاركًا خلفه إرثًا أدبيًا وسياسيًا غنيًا، وكلمات لا تزال تتردد في وجدان الشعب الفلسطيني [1].

من وحي الكلمات: أبرز قصائد توفيق زياد

تميز شعر توفيق زياد بصدقه وعمقه وبساطته، مما جعله قريبًا من قلوب الجماهير. عكست قصائده معاناته وصموده، وكانت مرآة تعكس واقع شعبه. من أشهر قصائده التي أصبحت أيقونات في الأدب الفلسطيني:

أناديكم

تُعد قصيدة "أناديكم" من أشهر قصائد توفيق زياد، وهي نشيد للصمود والتحدي، وتجسد روح المقاومة الفلسطينية. يقول فيها:

أُناديكُم... أُشَدُّ عَلَى أَياديكُم

أَبوسُ الأَرضَ تَحتَ نِعالِكُم

وَأَقولُ: أَفديكُم

وَأُهديكم ضِيا عَيني

وَدِفءَ القَلبِ أُعطيكُم

فَمَأساتي الَّتي أَحيا

نَصيبي مِن مَآسيكُم

هنا باقون

تُعبر هذه القصيدة عن التشبث بالأرض والهوية، ورفض التهجير والتشريد. يقول فيها:

هُنا باقونَ، ما بَقِيَ اللّيمونُ والزَّيتونُ

وَما بَقِيَتْ فينا العُيونُ

نُقاوِمُ، نَزرَعُ، نَبني، نُغَنّي

وَنُحِبُّ، نُحِبُّ، نُحِبُّ

بأسناني

تُظهر هذه القصيدة قوة الإرادة والعزيمة في مواجهة الصعاب، وتؤكد على التمسك بالحقوق مهما كانت التضحيات. يقول فيها:

بِأَسناني سَأَحفِرُ في الصَّخرِ دَربي

وَأَمضي، وَلَن أَستَكينَ

فَأَرضي، وَحَقّي، وَعِرضي

لَن تَضيعَ، وَلَن تَهينَ

السكر المر

تتناول هذه القصيدة مرارة الواقع وقسوة الظروف، ولكنها تحمل في طياتها أملًا في التغيير والتحرر. يقول فيها:

السُّكَّرُ المُرُّ في أَفواهِنا

وَالخُبزُ المَسمومُ في أَمعائِنا

لَكِنَّنا لَن نَموتَ، لَن نَنحَني

فَالشَّمسُ سَتُشرِقُ مِن أَرضِنا

خاتمة: إرث لا يزول

رحل توفيق زياد بجسده، لكن روحه وكلماته ما زالت حية في وجدان الشعب الفلسطيني والأمة العربية. لقد كان شاعرًا ومناضلًا، كرس حياته لقضية وطنه، وترك إرثًا أدبيًا وسياسيًا خالدًا. إن قصائده ليست مجرد كلمات، بل هي صرخات حق، وأناشيد صمود، ووقود للثورة، تُلهم الأجيال وتدفعها نحو تحقيق العدالة والحرية. سيبقى توفيق زياد رمزًا للشاعر الملتزم بقضايا أمته، وصوتًا لا يلين في وجه الظلم، وشاعرًا للصمود الفلسطيني الذي لا يزول.

المراجع

[1] الموسوعة التفاعلية للقضية الفلسطينية | توفيق زيّاد. (بلا تاريخ). تم الاسترجاع من https://www.palquest.org/ar/biography/14602/%D8%AA%D9%88%D9%81%D9%8A%D9%82-%D8%B2%D9%8A%D9%91%D8%A7%D8%AF