<h2>المقدمة</h2><p>تُعد جماعة التبليغ والدعوة، المعروفة أيضاً بجماعة الأحباب، حركة إسلامية عالمية ذات انتشار واسع، تأسست في شبه القارة الهندية في مطلع القرن العشرين. تتميز هذه الجماعة بمنهجها الدعوي الفريد الذي يركز على الإصلاح الفردي والتبليغ الشخصي، بعيداً عن الخوض في السياسة أو الجدالات المذهبية. يُطلق عليها أحياناً وصف "الدعوة الصامتة" نظراً لأسلوبها الهادئ وغير الصدامي في نشر رسالتها. يسعى هذا المقال إلى تقديم دراسة مرجعية موضوعية لجماعة التبليغ والدعوة، متناولاً نشأتها التاريخية، أسسها الفكرية والعقائدية، آليات انتشارها الواسع، والنقد والتأييد الذي حظيت به، وصولاً إلى واقعها المعاصر.</p><h2>النشأة والتاريخ</h2><p>تأسست جماعة التبليغ والدعوة في عام 1926م في الهند البريطانية، على يد الشيخ محمد إلياس الكاندهلوي (1885-1944م)، الذي وُلد في قرية كاندهلة بمنطقة سهارنفور في الهند. كان المقر الرئيسي للجماعة في مسجد بنغليوالي بدلهي، والذي يُعد مركزاً عالمياً لشبكة التبليغ. تولى الشيخ محمد إلياس إمارة الجماعة حتى وفاته، ثم خلفه ابنه محمد يوسف، ومن بعده إنعام الحسن. جاء تأسيس الجماعة في سياق اجتماعي وديني معقد في الهند، حيث كانت هناك حاجة ملحة لإحياء الوعي الديني وتعزيز الهوية الإسلامية بين المسلمين. انتشرت الجماعة بسرعة في الهند وباكستان وبنغلاديش، ثم امتدت دعوتها إلى العالم الإسلامي والوطن العربي، لتشمل دولاً مثل سوريا، الأردن، فلسطين، لبنان، مصر، السودان، العراق، السعودية، المغرب، قطر، الكويت، والجزائر. كما وصلت جهودها الدعوية إلى أوروبا والأمريكا، مستهدفة المسلمين وغير المسلمين على حد سواء.</p><h2>العقيدة والفكر</h2><p>تستند العقيدة والفكر لدى جماعة التبليغ والدعوة إلى مبادئ إسلامية أساسية، مع تركيز خاص على الجوانب الروحية والأخلاقية. يدعو أفراد الجماعة إلى توحيد الله وعبادته الخالصة، وإلى اتباع سنة النبي محمد صلى الله عليه وسلم. يؤمنون بالله وملائكته وجميع الكتب السماوية والقدر خيره وشره واليوم الآخر والجنة والنار، ويسعون لتعريف الناس بصفات وأخلاق النبي محمد. يركز منهجهم على إقامة أركان الإسلام، وخاصة الصلاة، بوصفها عماد الدين. من السمات البارزة في فكر الجماعة هو ابتعادها عن الخوض في الخلافات المذهبية والمسائل السياسية، معتقدين أن "السياسة هي ترك السياسة". يرون أن إصلاح الأفراد فرداً فرداً سيؤدي تلقائياً إلى زوال المنكر من المجتمع، وأن الخروج للدعوة هو وسيلة لتربية الداعية وصقله عملياً، وليس هدفاً بحد ذاته. كما أنهم لا يتعرضون لقضية النهي عن المنكر كبلاغ جماعي، بل يركزون على إيجاد المناخ الملائم للحياة الإسلامية.</p><h2>المنهج وطريقتهم في الدعوة</h2><p>تتبع جماعة التبليغ والدعوة منهجاً عملياً ومحدداً في دعوتها، يقوم على الخروج في سبيل الله. عند الخروج للدعوة، يؤمر أحدهم عليهم، ولا توجد لديهم مناصب محددة أو وظائف دائمة. تنتدب مجموعة منهم نفسها لدعوة أهل بلد ما، حيث يحملون فراشاً بسيطاً وزاداً قليلاً، وتكون سمة التقشف هي الغالبة عليهم. عند وصولهم إلى البلد أو القرية المستهدفة، ينظمون أنفسهم، فيقوم بعضهم بالخدمة وتنظيف المكان الذي سيمكثون فيه (غالباً المساجد)، بينما يخرج آخرون متجولين في أنحاء البلدة والأسواق، داعين الناس لسماع الخطبة أو "البيان". بعد انتهاء البيان، يطالبون الحضور بالخروج معهم للدعوة، وبعد صلاة الفجر يقسمون الناس إلى مجموعات لتعليم الفاتحة وبعض قصار السور. يحثون الناس على الخروج معهم للتبليغ والدعوة لفترات محددة: ثلاثة أيام في الشهر، أربعين يوماً في السنة، وأربعة أشهر في العمر على الأقل، وهي مدد لتسهيل عملية السفر والتنقل وليست شروطاً صارمة. لا ينزل أفراد الجماعة ضيوفاً على أحد، ويقيمون في المساجد، وينفق كل واحد منهم على نفسه من ماله الخاص، مع التعاون فيما بينهم. يعتمدون بشكل كبير على قيام الليل كركيزة في دينهم.</p><p>تُعرف الجماعة أيضاً بـ "الصفات الستة" التي استنبطها مؤسسوها من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وهي: شهادة لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، الصلاة ذات الخشوع والخضوع، تعلم العلم الشرعي وذكر الله، إكرام المسلمين وبذل ما يحتاجون إليه مع التعفف والزهد، إخلاص الأعمال والنوايا لله ومراقبة النفس ومحاسبتها، والخروج لنشر الدعوة. يشترط للخروج أربعة أشياء: الخروج بالنفس، المال الحلال، الوقت الحلال، وبالافتقار إلى الله.</p><h2>الانتشار</h2><p>تُعد جماعة التبليغ والدعوة من أكبر الحركات الإسلامية العالمية من حيث الانتشار، حيث وصلت دعوتها إلى أكثر من 150 دولة حول العالم. بدأ انتشارها من شبه القارة الهندية، ثم امتدت إلى دول آسيا الوسطى، وأفريقيا، وأوروبا، والأمريكتين. يعزى هذا الانتشار الواسع إلى منهجها الدعوي البسيط الذي يركز على الفرد، وعدم تدخلها في السياسة، مما جعلها مقبولة في بيئات متنوعة. كما أن اعتمادها على الخروج التطوعي لأفرادها للدعوة، وتنظيم التجمعات السنوية الكبرى التي يحضرها مئات الآلاف من المسلمين، ساهم في تعزيز حضورها العالمي. وللجماعة فرع نسائي يُعرف بـ "المستورات"، يلعب دوراً كبيراً في دعوة النساء المسلمات وغير المسلمات، مما يعكس شمولية دعوتها.</p><h2>النقد والتأييد</h2><p>حظيت جماعة التبليغ والدعوة بآراء متباينة بين النقد والتأييد. من أبرز الانتقادات الموجهة إليها:</p><ul><li><b>نقصان العلم الشرعي:</b> يؤاخذها بعض العلماء، مثل الشيخ الألباني، على تركيزها على الرقائق دون التعمق في الأحكام الفقهية أو العقيدة أو التوحيد، مما قد يؤدي إلى ضعف في الفهم الشرعي لدى أتباعها.</li><li><b>الغلو في مبدأ الخروج:</b> انتقد الشيخ يوسف القرضاوي غلو الجماعة في مبدأ الخروج واعتباره فريضة دينية، مما قد يدفع بعض الأفراد إلى إهمال واجباتهم الأساسية.</li><li><b>مخالفات عقدية:</b> اتهمها البعض، مثل حمود التويجري، بمخالفات عقدية كدعاء أصحاب القبور، وهو ما يتنافى مع عقيدة التوحيد.</li><li><b>اتهامات بالإرهاب:</b> اتهمتها بعض الجهات الرسمية، مثل وزارة الشؤون الدينية السعودية، بأنها "بوابة من بوابات الإرهاب". وقد ردت الجماعة على هذه الاتهامات بنفي أي علاقة لها بالإرهاب، مؤكدة تركيزها على أركان الإسلام الخمسة وابتعادها عن العنف.</li></ul><p>على الجانب الآخر، تجد الجماعة تأييداً واسعاً، خاصة بين عامة المسلمين الذين ينجذبون إلى بساطة منهجها وتركيزها على الجوانب الروحية والأخلاقية. يُنظر إليها كحركة تسعى لإحياء الإيمان وتعزيز الالتزام الديني دون الدخول في صراعات سياسية أو مذهبية. كما أن انتشارها الواسع في أكثر من 150 دولة، ووجود مراكز لها في دول الخليج العربي الأخرى ومشاركة السكان المحليين علانية في نشاط التبليغ، يشير إلى قبول وتأييد ضمني في أوساط واسعة.</p><h2>الواقع المعاصر</h2><p>يواجه واقع جماعة التبليغ والدعوة المعاصر تحديات وفرصاً متعددة. فمن جهة، لا تزال الجماعة تحافظ على انتشارها الواسع ونشاطها الدعوي في معظم أنحاء العالم، مع استمرار منهجها في التركيز على الإصلاح الفردي والتبليغ الشخصي. ومن جهة أخرى، تواجه الجماعة قيوداً وحظراً في عدد من الدول، مثل إيران، أوزبكستان، طاجيكستان، كازاخستان، روسيا، والمملكة العربية السعودية. ففي روسيا، حُظرت الجماعة منذ عام 2009 وصُنفت ضمن الجماعات الإرهابية، وشهدت اعتقالات لأعضائها بتهمة تجنيد مؤيدين ومناقشة خطط لإنشاء دولة إسلامية. وفي المملكة العربية السعودية، حُذرت الجماعة في عام 2021 ووُصفت بأنها "خطر على المجتمع" و"بوابة من بوابات الإرهاب". هذه القيود تعكس التحديات التي تواجهها الجماعة في بعض البيئات السياسية والأمنية، بينما تستمر في العمل بحرية نسبية في دول أخرى.</p><h2>الخاتمة</h2><p>تُعد جماعة التبليغ والدعوة ظاهرة دينية فريدة في العالم الإسلامي، تميزت بمنهجها الدعوي الصامت الذي يركز على إحياء الإيمان والإصلاح الفردي. فمنذ تأسيسها على يد محمد إلياس الكاندهلوي في عام 1926م، استطاعت الجماعة أن تحقق انتشاراً عالمياً واسعاً، لتصل دعوتها إلى مئات الدول. ورغم الانتقادات الموجهة إليها بخصوص منهجها العلمي أو بعض جوانبها العقدية، والقيود التي فرضتها عليها بعض الدول، إلا أنها لا تزال تمثل قوة دافعة في مجال الدعوة الإسلامية، مؤثرة في حياة الملايين من المسلمين حول العالم من خلال تركيزها على الجوانب الروحية والأخلاقية، وتقديم نموذج للدعوة القائمة على البساطة والتجرد والابتعاد عن صخب السياسة والجدل.</p>