حجم الخط:(عادي)

البيروني — العالم الموسوعي (973–1048م)

في عام 1017م، وصل جيش السلطان محمود الغزنوي إلى خوارزم فاتحاً. ومن بين الأسرى الذين أُخذوا إلى غزنة كان عالم في الخامسة والأربعين من عمره، اسمه أبو الريحان محمد بن أحمد البيروني. لكن هذا "الأسير" سيُصبح أعظم علماء البلاط الغزنوي، وسيُرافق السلطان في غزواته إلى الهند ليكتب عنها أعظم دراسة أنثروبولوجية في التاريخ الإسلامي.

الميلاد والنشأة في خوارزم

وُلد البيروني في بيرون، إحدى ضواحي كاث عاصمة خوارزم، عام 973م. لا نعرف شيئاً عن والديه، لكنه ذكر أنه لا يعرف نسبه، مما يُشير إلى أصول متواضعة. لكن موهبته الاستثنائية فتحت له أبواب العلم منذ صغره.

تتلمذ على يد أبي نصر منصور بن علي بن عراق، أحد أبرز علماء الرياضيات والفلك في عصره. وسرعان ما تجاوز الطالب أستاذه، وبدأ يُراسل كبار العلماء في عصره، من بينهم ابن سينا نفسه. وقد بقيت رسائل المراسلة الفلسفية بينهما وثيقةً تاريخية نادرة تُظهر عقلين عبقريين يتجادلان في أعمق المسائل العلمية.

قياس محيط الأرض: عبقرية بسيطة

من أشهر إنجازات البيروني قياسه لمحيط الأرض بطريقة بارعة تُبهر العقول حتى اليوم. وقف على قمة جبل في منطقة نندنة بباكستان، وقاس الزاوية التي يُشكّلها الأفق مع المستوى الأفقي. ثم باستخدام الهندسة والمثلثات، حسب نصف قطر الأرض، ومنه محيطها.

النتيجة التي حصل عليها كانت 40,075 كيلومتراً، وهي تقريباً مطابقة للقيمة الحديثة التي نعرفها اليوم (40,075 كم). هذا الإنجاز يُعدّ من أدق القياسات الجيوديسية في التاريخ القديم.

كتاب الهند: موسوعة حضارة

حين رافق البيروني السلطان محمود في غزواته إلى الهند، لم يكن مجرد مرافق. كان يتعلم اللغة السنسكريتية، ويُحاور العلماء الهنود، ويدرس الفلسفة الهندية والرياضيات والفلك والأديان والعادات الاجتماعية.

ثمرة هذه الدراسة كانت كتابه العظيم "تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة"، المعروف بـ"كتاب الهند". يقع الكتاب في مجلدين ضخمين، ويُغطي كل جوانب الحضارة الهندية: الفلسفة والدين والرياضيات والفلك والجغرافيا والأدب والعادات والتقاليد.

ما يجعل هذا الكتاب استثنائياً هو موضوعيته العلمية النادرة. لم يكتب البيروني بنظرة استعلائية أو تحيّز ديني، بل بعقل عالم يسعى إلى الفهم. كتب: "أنا لا أُقرّ ولا أُنكر، بل أصف ما وجدت." وهذا المنهج جعل كتابه مرجعاً لا يُقدَّر في دراسة الحضارة الهندية القديمة.

إسهاماته في الفيزياء والمعادن

في الفيزياء، درس البيروني الكثافة النوعية للمعادن والأحجار الكريمة بدقة مذهلة. استخدم أوانيَ دقيقة القياس لتحديد كثافة المواد، وحصل على نتائج قريبة جداً من القيم الحديثة. فمثلاً، قاس كثافة الذهب بـ19.05 غ/سم³، والقيمة الحديثة 19.32 غ/سم³.

كما درس ظاهرة الشعرية (capillarity) وشرح لماذا يرتفع الماء في الأنابيب الضيقة، وهو ما سيُدرسه العلماء الأوروبيون بعد قرون.

الفلك والتقويم

في الفلك، كتب البيروني "القانون المسعودي"، وهو موسوعة فلكية ضخمة أهداها إلى السلطان مسعود بن محمود. يحتوي الكتاب على جداول فلكية دقيقة وحسابات لمواضع الكواكب ومواعيد الكسوف والخسوف.

وفي التقويم، درس البيروني التقاويم المختلفة: الإسلامي والمسيحي واليهودي والهندي والفارسي والإغريقي، وكتب عنها في كتابه "الآثار الباقية عن القرون الخالية"، وهو مرجع لا غنى عنه في تاريخ التقاويم.

الجغرافيا والخرائط

كان البيروني من أوائل العلماء الذين اقترحوا أن الأرض تدور حول محورها، وأن هذا يُفسّر تعاقب الليل والنهار. كما اقترح إمكانية وجود يابسة في الجانب الغربي من الكرة الأرضية (أمريكا)، قبل كولومبوس بأربعة قرون ونصف.

وفاته وإرثه

توفي البيروني في غزنة عام 1048م، وهو في الخامسة والسبعين من عمره. خلّف أكثر من 150 كتاباً ورسالة في الرياضيات والفلك والفيزياء والجغرافيا والتاريخ والفلسفة والأدوية.

سمّت الأمم المتحدة فوهة بركانية على القمر باسمه، وكذلك كوكباً صغيراً في المجموعة الشمسية. وفي أوزبكستان، يُعدّ البيروني بطلاً قومياً تُزيّن صورته الأوراق النقدية.

جدول إسهاماته

المجالالإسهام
الجيوديسياقياس محيط الأرض بدقة مذهلة
الأنثروبولوجياكتاب الهند — أعظم دراسة للحضارة الهندية
الفيزياءقياس الكثافة النوعية للمعادن
الفلكالقانون المسعودي — موسوعة فلكية
الجغرافيااقتراح وجود يابسة في الغرب

المراجع

1. البيروني، تحقيق ما للهند، تحقيق إدوارد سخاو، لندن، 1887.

2. البيروني، القانون المسعودي، دائرة المعارف العثمانية، حيدر آباد، 1954.

3. Kennedy, E.S., A Survey of Islamic Astronomical Tables, Philadelphia, 1956.

4. ويكيبيديا العربية: البيروني.