في رحابِ الأدبِ العربيّ، تتلألأُ أسماءٌ كنجومٍ في سماءِ الإبداع، تضيءُ دروبَ الأجيالِ بوهجِ الكلمةِ وجمالِ المعنى. ومن بينِ هذهِ القاماتِ الشاهقةِ، يبرزُ اسمُ الشاعرِ الإماراتيّ الكبيرِ سالم بن علي العويس، الذي لم يكن مجردَ ناظمٍ للقصيد، بل كانَ سيرةً حافلةً بالعطاءِ، ورمزاً للأصالةِ والتجديدِ في آنٍ واحدٍ. لقد نسجَ العويسُ من خيوطِ الحياةِ الإماراتيةِ، ومن عمقِ التجربةِ الإنسانيةِ، لوحاتٍ شعريةً خالدةً، مزجَ فيها بينَ عذوبةِ اللفظِ وجزالةِ المعنى، ليتركَ بصمةً لا تُمحى في ذاكرةِ الشعرِ النبطيِّ والفصيحِ على حدٍ سواءٍ، ويُصبحَ بحقٍ "شاعرَ الإماراتِ الكبير".
سيرةٌ عطرةٌ: من الحيرةِ إلى دبي.. مسيرةُ علمٍ وعملٍ وإبداع
وُلدَ الشاعرُ سالم بن علي بن ناصر العويس في عام 1887م في منطقةِ الحيرةِ بالشارقة، وهي منطقةٌ عُرفت بثرائها الثقافيِّ والتجاريِّ، حيثُ كانت عائلتُهُ من العائلاتِ الميسورةِ التي تعملُ في الصيدِ وتجارةِ اللؤلؤِ، مما أتاحَ لهُ بيئةً خصبةً للنموِّ والتعلمِ في كنفِ أسرةٍ عريقةٍ ذاتِ شأنٍ. تلقى العويسُ تعليمَهُ الأوليَّ على يدِ شيخينِ جليلينِ هما عبد الصمد وعبد الوهاب التميمي، اللذينِ كانا يجوبانِ البلادَ العربيةَ بحثاً عن العلمِ والمعرفةِ، وقد كانَ لوجودِهما في الحيرةِ أثرٌ بالغٌ في صقلِ شخصيةِ العويسِ وتكوينِهِ الفكريِّ والأدبيِّ، حيثُ نهلَ منهما علومَ اللغةِ والشريعةِ والتاريخِ، مما أسسَ لقاعدةٍ معرفيةٍ متينةٍ بنى عليها صرحَهُ الشعريَّ الشامخَ [1].
بدأتْ موهبةُ العويسِ الشعريةُ تتفتحُ في سنِّ السادسةِ عشرةَ من عمرهِ، حيثُ بدأَ بنظمِ الشعرِ الشعبيِّ، الذي كانَ سائداً في بيئتِهِ، ثم سرعانَ ما تحولَ إلى الشعرِ الفصيحِ، ليجمعَ بذلكَ بينَ جمالِ اللهجةِ المحليةِ وعمقِ اللغةِ العربيةِ الفصحى، مُظهراً براعةً فائقةً في كلا المجالينِ. لم يكنِ الشعرُ مجردَ هوايةٍ للعويسِ، بل كانَ جزءاً لا يتجزأُ من حياتهِ المهنيةِ والاجتماعيةِ؛ فقد عملَ إماماً وخطيباً في أحدِ المساجدِ، ثم اتخذَ التدريسَ مهنةً لهُ، مدفوعاً برغبتِهِ الصادقةِ في نشرِ العلمِ والمعرفةِ دونَ مقابلٍ ماديٍّ، إيماناً منهُ بأهميةِ التعليمِ في بناءِ الأجيالِ وتقدمِ المجتمعِ [1].
استقرَّ الشاعرُ في دبي لاحقاً، بعدَ أنْ أُسندتْ إليهِ وكالةٌ تجاريةٌ كبيرةٌ، مما عكسَ مكانتَهُ الاجتماعيةَ والاقتصاديةَ المرموقةَ في ذلكَ الزمانِ. وهناك أقامَ مجلسَهُ الشهيرَ الذي أصبحَ ملتقىً للمثقفينَ والكتابِ والأدباءِ والأصدقاءِ من مختلفِ أنحاءِ المنطقةِ، حيثُ كانت تُعقدُ فيهِ النقاشاتُ والحواراتُ الأدبيةُ والفكريةُ، ويُتبادلُ فيهِ الشعرُ والقصصُ، مما جعلهُ منارةً ثقافيةً ومركزَ إشعاعٍ فكريٍّ في المنطقةِ، وساهمَ في إثراءِ الحركةِ الأدبيةِ في الإماراتِ [1]. تُوفيَ الشاعرُ سالم بن علي العويس في عام 1959م، بعدَ حياةٍ حافلةٍ بالعطاءِ والإبداعِ، تاركاً خلفَهُ إرثاً شعرياً غنياً ما زالَ يُلهمُ الأجيالَ ويُثري المكتبةَ العربيةَ.
نداءُ الخليجِ: ديوانٌ يصدحُ بالجمالِ والوطنية
يُعدُّ ديوانُ "نداء الخليج" من أبرزِ أعمالِ الشاعرِ سالم بن علي العويس، حيثُ يضمُّ بينَ دفتيهِ مجموعةً من القصائدِ التي تعكسُ روحَ العصرِ وتطلعاتِ المجتمعِ الإماراتيِّ آنذاك، وتُبرزُ اهتماماتِ الشاعرِ المتعددةَ، من الغزلِ والوصفِ إلى الفخرِ والحكمةِ، وصولاً إلى القضايا الوطنيةِ والقوميةِ التي كانت تشغلُ بالَهُ. وقد حظيَ هذا الديوانُ باهتمامٍ كبيرٍ، حيثُ قامَ الدكتورُ محمد إبراهيم حور بتحقيقِهِ والتعليقِ عليهِ، ليُصبحَ مرجعاً هاماً للباحثينَ والمهتمينَ بالشعرِ النبطيِّ والفصيحِ في الإماراتِ والوطنِ العربيِّ [2]. يُظهرُ الديوانُ قدرةَ العويسِ على التعبيرِ عن مشاعرِهِ العميقةِ تجاهَ وطنِهِ وشعبِهِ، وحبِّهِ للغةِ العربيةِ وتراثِها الأصيلِ.
قصائدُ تنبضُ بالحياةِ: "لاول هويت وييتك" وجمالُ الشعرِ النبطيِّ
من بينِ القصائدِ النبطيةِ التي تركها العويسُ، تبرزُ قصيدةُ "لاول هويت وييتك" كنموذجٍ رائعٍ لأسلوبهِ الشعريِّ الذي يجمعُ بينَ البساطةِ والعمقِ، ويعكسُ جمالَ الشعرِ النبطيِّ وقدرتَهُ على التعبيرِ عن أدقِّ المشاعرِ الإنسانيةِ. هذهِ القصيدةُ، التي تُعدُّ من أشهرِ أعمالِهِ النبطيةِ، تُظهرُ براعةَ الشاعرِ في استخدامِ المفرداتِ المحليةِ والصورِ الشعريةِ المستوحاةِ من البيئةِ الإماراتيةِ، مما يُضفي عليها طابعاً فريداً وأصيلاً. وفيما يلي أبياتٌ من هذهِ القصيدةِ مع التشكيلِ الدقيقِ، الذي يُبرزُ جمالَ اللفظِ ووزنَ القصيدةِ:
لَأَوَّلْ هَوَيْتْ وَيَيْتَكْ ... مِنْ خَاطِرٍ وَلْهَانْ > وَالْيَوْمَ أَنَا خَلَّيْتَكْ ... مَنْ خَلَّاكْ الزَّمَانْ > مُسْتَأْنِسٍ مَنْ جَفَيْتَكْ ... وَأَلْتَذُّ بِالنِّسْيَانْ > وَأَتَرَوَّعْ لِي طَرَيْتَكْ ... حَتَّى إِنْ طَرَاكْ إِنْسَانْ > صَدَّ الْفَلِي عَنْ بَيْتَكْ ... وَاتْخَرَّبْ الْبُسْتَانْ > وَإِنْ عَادَ لَكْ وَأَلْفَيْتَكْ ... سَمْحٌ وَكَبِيرُ الشَّانْ > يَيْتْ وَعَشْرٍ حَبَّيْتَكْ ... عِنْدِي عُذْرٌ وَلِسَانْ > هَذَا الَّذِي رَاوَيْتَكْ ... بِهِ مِنْ طَبْعِ الْإِنْسَانْ [3]
تُظهرُ هذهِ الأبياتُ قدرةَ العويسِ على التعبيرِ عن المشاعرِ الإنسانيةِ بصدقٍ وعفويةٍ، حيثُ يصفُ حالةَ الحبِّ والهجرِ بكلماتٍ تلامسُ القلوبَ، مستخدماً صوراً شعريةً مستمدةً من البيئةِ المحليةِ، مثلَ "الْفَلِي" (الصحراء) و"الْبُسْتَانْ"، مما يُضفي على القصيدةِ طابعاً أصيلاً ومميزاً، ويجعلُها قريبةً من وجدانِ القارئِ. كما أنَّ استخدامَهُ للتشبيهاتِ والاستعاراتِ البسيطةِ والعميقةِ في آنٍ واحدٍ، يُبرزُ قدرتَهُ الفائقةَ على إيصالِ المعنى بوضوحٍ وجمالٍ.
تأثيرُهُ وإرثُهُ: قامةٌ أدبيةٌ خالدة
لم يقتصرْ تأثيرُ الشاعرِ سالم بن علي العويس على إنتاجِهِ الشعريِّ فحسب، بل امتدَّ ليشملَ دورَهُ الرياديَّ في إثراءِ الحركةِ الثقافيةِ والأدبيةِ في الإماراتِ. فقد كانَ مجلسُهُ الأدبيُّ في دبي منبراً حراً لتبادلِ الأفكارِ والرؤى، وساهمَ في اكتشافِ ورعايةِ العديدِ من المواهبِ الشابةِ. كما أنَّ أعمالَهُ الشعريةَ، سواءً الفصيحةَ أو النبطيةَ، تُعدُّ مصدراً غنياً للدراساتِ الأدبيةِ والنقديةِ، وتُقدمُ صورةً واضحةً عن الحياةِ الاجتماعيةِ والثقافيةِ في الإماراتِ خلالَ فترةٍ زمنيةٍ هامةٍ من تاريخِها.
إنَّ إرثَ العويسِ الشعريَّ يُمثلُ جزءاً لا يتجزأُ من الهويةِ الثقافيةِ لدولةِ الإماراتِ العربيةِ المتحدةِ، ويُسهمُ في الحفاظِ على التراثِ الشعريِّ الأصيلِ. فقصائدُهُ تُدرسُ في المناهجِ التعليميةِ، وتُلقى في المحافلِ الأدبيةِ، وتُرددُ على ألسنةِ الأجيالِ، مما يُؤكدُ خلودَ تجربتِهِ الشعريةِ وأثرَها العميقَ في الوجدانِ الجمعيِّ. لقد كانَ الشاعرُ سالم بن علي العويس أكثرَ من مجردِ شاعرٍ؛ كانَ مؤرخاً لمرحلةٍ هامةٍ من تاريخِ الإماراتِ، وناقلاً أميناً لثقافةِ مجتمعِهِ وقيمِهِ. إنَّ إرثَهُ الشعريَّ، سواءٌ في الفصحى أو النبطيِّ، يظلُّ شاهداً على عبقريتِهِ وقدرتِهِ على تطويعِ الكلمةِ لخدمةِ المعنى. وسيظلُّ اسمُهُ محفوراً في سجلاتِ الأدبِ العربيِّ، كواحدٍ من روادِ النهضةِ الثقافيةِ في منطقةِ الخليجِ، الذينَ أثروا المكتبةَ العربيةَ بإبداعاتِهم الخالدةِ.
المراجع:
[1] موقع التبراة، سيرة الشاعر سالم بن علي العويس، https://altibrah.ae/author/%D8%B3%D8%A7%D9%84%D9%85-%D8%A8%D9%86-%D8%B9%D9%84%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%88%D9%8A%D8%B3
[2] ديوان سالم بن علي العويس: نداء الخليج، تحقيق محمد إبراهيم حور، https://library.ecssr.ae/cgi-bin/koha/opac-detail.pl?biblionumber=125199&shelfbrowse_itemnumber=169550
[3] موقع حوايا، واحة الشعر الشعبي، قصيدة "لاول هويت وييتك"، http://www.7awaya.com/poemPage.do?poemId=14150