سالم الدهماني: شاعر التفاصيل الذي أثرى الساحة النبطية الإماراتية
يُعد الشاعر الإماراتي الراحل سالم بن سعيد بن جمعة الدهماني الهاملي، المعروف بـ «شاعر التفاصيل»، قامة شعرية نبطية بارزة أثرت الساحة الثقافية في دولة الإمارات العربية المتحدة والخليج العربي. وُلد الدهماني في قرية «المنيعي» التابعة لإمارة رأس الخيمة عام 1927م، وهي قرية جبلية صغيرة تقع في الجنوب الشرقي من الإمارات. نشأ في بيئة جبلية وعرة، حيث كان والده يعمل في زراعة الغليون والحنطة، وهي مهنة مارسها الشاعر لاحقاً. ورغم أنه كان أمياً لا يقرأ ولا يكتب، إلا أنه امتلك موهبة شعرية فذة وذاكرة قوية جعلته راوية من الدرجة الأولى، يحفظ الكثير من الأشعار القديمة والروايات والقصص الشعبية وأحداث الزمان والتاريخ [1].
أسلوبه الشعري: التفاصيل والبوح المتدفق
ما يميز أسلوب سالم الدهماني الشعري هو قدرته الفائقة على الغوص في التفاصيل الدقيقة، ومن هنا جاء لقبه «شاعر التفاصيل». فهو لا يهمل أي جزئية مرتبطة بالأشياء والعناصر المحيطة به، بل يستثمرها ويوظفها ببراعة في نسيجه الشعري. يمتلك الدهماني لياقة وافرة وقدرة جامحة وطاقة متفجرة من البوح والتعبير والوصف، مما يمكنه من القبض على الموضوع الشعري من بدايته إلى ختامه دون كلل أو تنازل، حتى لو تطلب ذلك تجاوز محدودية القوافي والأوزان. قصائده محبوكة جيداً ومصاغة بعناية ملحوظة، مما ميّزه عن أقرانه من الرواة والشعراء [1].
يصف الباحث الدكتور راشد المزروعي تجربة الدهماني الشعرية بأنها تنطوي على دلالات عميقة وثقافة واسعة واطلاع كبير، وهو أمر يثير الدهشة بالنظر إلى كونه أمياً. ويشير المزروعي إلى أن الشعر كان يأتي إلى الدهماني استلهاماً، مما يعكس موهبته الفطرية وقدرته على استحضار الرؤى والتخيلات والعبارات التي تتفوق على المخزون اللغوي العادي [1].
أبرز قصائده: بين الغزل والسرد الملحمي
برع الدهماني في أغراض شعرية متعددة، لكنه تميز بشكل خاص في قصائد السرد القصصي والغزل. من أبرز قصائده الغزلية قصيدة «السلسلة»، التي يصف فيها حالة العاشق بين الهجر والوصال، مستخدماً تشبيهات بديعة وصوراً شعرية عميقة. يقول في مطلعها [1]:
يمشي مشيات «القطا» لي منتشر لا ذيّره ذاير ولا حدٍّ يفلّه > حلو الروايب والذوايب والنحر والخدّ برّاق ع بُعْد أتخايله > وإلّا ليالي البيض في نصّ الشّهر وتشعشع الميضاح ما بين اجبله > قلبي تولّع به ومنّه منجبر غزلي تشربك وانطوى في مغزله
وفي هذه القصيدة، يصف الشاعر المحبوب بأصابعه المحنّاة «الروايب» وضفائره المنسدلة على نحره «الذوايب» والتماع خدّه الشبيه بالبدر. ويعترف بأزمته في استجلاب المحبوب العصي على الميل، فيقول: «غزلي تشربك وانطوى في مغزله»، أي تداخلت عليه طرائق ووسائل القرب والاتصال [1].
ويكمل الدهماني قصيدته معبراً عن خضوعه التام للمحبوب وتنازله عن كل شيء في سبيل الوصال، حتى لو كان ذلك على حساب ماله وحلاله، ويصف نفسه بالعاشق المهووس الذي يتبع أثر المحبوب، ولكنه يتحول إلى «السلسلة» التي تسقط وتخرّ على ذاتها إذا رآه أحد يتلصص على محبوبته، في تشبيه بليغ يعكس عمق موهبته [1]:
لو بتّصل به ما بفكّر في الخِسِر/ بسدي حلالي لو يقرّوا به هلِه > وعدّاد ناموسي يعلّم في الصِفِر/ وشّو بسوّي ما تجيبه مدايله > هو عارف أقصاي وناهي في غِزِر/ وأنا شرا لصٍ أريد استحوله > قمت أقصّر الشوحة واتبّه بالأثر/ وإن شفت حدّ أخرّ مثل السلسلة
ومن قصائده المشهورة أيضاً قصيدة «ولد العقيلي» أو «ولد العجيلي»، وهي قصة حب ملحمية شعبية يسرد فيها قصة أصغر أبناء العقيلي ومحبوبته «إليازية»، وما واجههما من معاناة انتهت بنهايات مفرحة [1].
تأثيره في الساحة الشعبية
رسّخ الشاعر سالم الدهماني مكانته الشعرية بين أبناء جيله ومعاصريه، وعاصر كبار شعراء النبط في الإمارات أمثال الشاعر الجمري، وبن سوقات، وأحمد الهاملي، وبن صنقور، وحمد بوشهاب، وراشد الخضر. وقد صدر «ديوان الدهماني» في العام 2017م عن نادي التراث، وهو من جمع وتحقيق الباحث الدكتور راشد أحمد المزروعي. يشمل الديوان معظم أغراض الشعر النبطي المحلي كالغزل والمدح والنصح والحكم والأمثال الشعبية والأحداث المهمة والمساجلات والمجاراة، ويضم 79 قصيدة مقسمة إلى قصائد وطنيات ومدح (37 قصيدة)، وقصائد غزل (25 قصيدة)، وقصائد شكاوى ومجاريات (17 قصيدة) [1].
يُقدم ديوان الدهماني صورة تتحدث عن الواقع بروح الفروسية والشهامة الممثلة في ابن الإمارات، ويعبر عن عالم جمالي له صلة بالحياة والواقع، متطرقاً إلى قصيدة السرد القصصي بأسلوب شعري شعبي جاذب ومشوّق للمتلقي [1].
توفي الشاعر سالم الدهماني في نوفمبر 1995م بعد صراع طويل مع المرض، تاركاً خلفه إرثاً شعرياً غنياً لا يزال يتردد صداه في الساحة النبطية الإماراتية، ويُعد مرجعاً مهماً للباحثين والمهتمين بالشعر الشعبي [1].
المراجع
[1] سالم الدهماني.. شاعر التفاصيل - الاتحاد للأخبار. (تاريخ غير معروف). تم الاسترجاع من https://www.aletihad.ae/news/%D8%AF%D9%86%D9%8A%D8%A7/4145827/%D8%B3%D8%A7%D9%84%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%87%D9%85%D8%A7%D9%86%D9%8A---%D8%B4%D8%A7%D8%B9%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%81%D8%A7%D8%B5%D9%8A%D9%84