أولاً: من هو عبد الله بن أنيس الجهني؟

هو عبد الله بن أُنيس الجُهني رضي الله عنه، أبو يحيى المدني، حليف الأنصار، شهد العقبة وأُحداً، وتوفي بالشام سنة أربع وخمسين للهجرة. وهو صحابي جليل تنسب إليه ليلة الثالث والعشرين من رمضان التي يسميها أهل المدينة "ليلة الجهني"، كما ذكر ذلك الحافظ ابن عبد البر في كتابه "الاستذكار".

ثانياً: الأحاديث الصحيحة الثابتة

وردت قصة عبد الله بن أنيس مع النبي ﷺ في أصح كتب السنة، وهي على روايتين متكاملتين:

الرواية الأولى — في صحيح مسلم (حديث 1168): أخرج الإمام مسلم في صحيحه بسند: سعيد بن عمرو الكندي وعلي بن خشرم، عن أبي ضمرة، عن الضحاك بن عثمان، عن أبي النضر، عن بسر بن سعيد، عن عبد الله بن أنيس، أن رسول الله ﷺ قال:

"أُرِيتُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ ثُمَّ أُنْسِيتُهَا، وَأَرَانِي صُبْحَهَا أَسْجُدُ فِي مَاءٍ وَطِينٍ". فمُطِرنا ليلةَ ثلاثٍ وعشرين، فصلَّى بنا رسول الله ﷺ فانصرف وإن أثر الماء والطين على جبهته وأنفه. وكان عبد الله بن أنيس يقول: ثلاث وعشرين.

الرواية الثانية — في سنن أبي داود (حديث 1380) وصحح الألباني: بسند: أحمد بن يونس، عن زهير، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم، عن ابن عبد الله بن أنيس، عن أبيه، قال:

"قُلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، إنَّ لي باديةً أكونُ فيها وأنا أُصلِّي فيها بحمدِ اللَّهِ، فمُرني بليلةٍ أنزلُها إلى هذا المسجدِ، فقالَ: انزِلْ ليلةَ ثلاثٍ وعشرينَ". فقلتُ لابنِهِ: كيفَ كانَ أبوكَ يصنعُ؟ قالَ: كانَ يدخلُ المسجدَ إذا صلَّى العصرَ فلا يخرجُ منهُ لحاجةٍ حتَّى يصلِّيَ الصُّبحَ، فإذا صلَّى الصُّبحَ وجدَ دابَّتَهُ على بابِ المسجدِ، فجلسَ عليها فلحِقَ بباديتِهِ.

وقد أخرجه أيضاً الإمام مالك في الموطأ، وإن كانت رواية الموطأ منقطعة من جهة أبي النضر الذي لم يلق عبد الله بن أنيس، كما نبّه على ذلك ابن عبد البر، غير أنها تتصل من وجوه شتى صحاح ثابتة.

ثالثاً: الرواية المنتشرة بـ "الهمس في الأذن"

"جاء الجهني للنبي ﷺ فطلب منه أن يوصيه بليلة القدر، فقرّبه النبي وهمس في أذنه ولم يعلم أحد، فراقبه الصحابة فوجدوه ينزل ليلة 23" — هذه الرواية لم ترد بهذا اللفظ في صحيح البخاري ولا صحيح مسلم ولا في سنن أبي داود ولا الترمذي ولا النسائي ولا ابن ماجه. إنما وردت في كتب الشيعة الإمامية: "تهذيب الأحكام" للطوسي و"من لا يحضره الفقيه" للصدوق، عن الإمام الباقر. وهذه رواية لا تصح، وحكمها عند أهل السنة أنه لا يجوز نسبتها للنبي ﷺ بهذا اللفظ.

رابعاً: الخلاصة والقول الفصل

ما هو ثابت بالأحاديث الصحيحة: أن عبد الله بن أنيس الجهني رضي الله عنه كان يسكن في البادية بعيداً عن المدينة، فطلب من النبي ﷺ أن يعيّن له ليلة واحدة ينزل فيها إلى المسجد ليدرك فضل ليلة القدر، فأمره النبي ﷺ علناً بليلة الثالث والعشرين. وكان الجهني يدخل المسجد بعد صلاة العصر ولا يخرج حتى يصلي الفجر، ثم يعود إلى باديته. ولما تعوّد الناس رؤيته في تلك الليلة وحدها سمّوها "ليلة الجهني".

أما ما لا يصح: فهو زيادة "الهمس في الأذن" أو "الإسرار"، وهذا لا أصل له في الأحاديث الصحيحة المعتمدة عند أهل السنة، وهي زيادة مستقاة من روايات الكتب الشيعية، وينبغي الحذر من تداولها ونسبتها للنبي ﷺ.

والخلاصة الفقهية: ليلة الثالث والعشرين من أرجى ليالي القدر بدليل هذه الأحاديث الصحيحة، وقد قال بذلك كثير من السلف كابن عباس وسعيد بن المسيب. غير أن الأرجح عند المحققين أن ليلة القدر تنتقل كل عام في ليالي الوتر من العشر الأواخر، ولذلك ينبغي الاجتهاد في إحياء العشر الأواخر كلها.

المصادر

صحيح مسلم، حديث 1168
سنن أبي داود، حديث 1380
موطأ الإمام مالك، كتاب الاعتكاف
الاستذكار لابن عبد البر، باب ما جاء في ليلة القدر
شرح الزرقاني على الموطأ