سعيد بن عتيق الهاملي: فارس الكلمة من صحراء الإمارات
يُعد الشاعر سعيد بن عتيق الهاملي، واسمه الكامل سعيد بن راشد بن سعيد بن عتيق الهاملي، من أبرز شعراء النبط في دولة الإمارات العربية المتحدة، وواحدًا من الرواد الذين أثروا الساحة الشعرية الشعبية بإنتاجه الغزير والمتميز. وُلد الهاملي في الظفرة، وتحديدًا في محضر حوايا ببطانة ليوا، في القرن التاسع عشر الميلادي حوالي عام 1875م، وتوفي مبكرًا عام 1919م، أي أنه عاش حياة قصيرة نسبيًا لم تتجاوز الأربعة والأربعين عامًا. ورغم قصر حياته، إلا أنه ترك بصمة واضحة وإرثًا شعريًا خالدًا لا يزال يُدرس ويُحتفى به حتى اليوم.
نشأ الهاملي في بيئة بدوية أصيلة، حيث عاش حياة البداوة ورعي الإبل، ومارس مهنة الغوص التي كانت شائعة بين شباب الساحل في تلك الفترة. هذه البيئة الغنية بالتفاصيل والعادات والتقاليد انعكست بوضوح في شعره، حيث استلهم منها صوره ومعانيه. كان الهاملي يتمتع بصفات الفارس، وقد عُرف بتنقله الدائم بين بيئة البحر وبيئة الصحراء، مما أثرى تجربته الحياتية والشعرية. عاش الهاملي عازبًا ولم يتزوج، وكان راعيًا لأخته وبناتها وكفيلاً لهن، مما يدل على نبل أخلاقه وتحمله للمسؤولية. وفاته كانت مبكرة وفي ظروف مأساوية، حيث قيل إنه توفي في معركة دفاعًا عن مدينته ضد غزو خارجي، وهو ما يشبه موت المتنبي في شجاعته وتضحيته.
أسلوبه الشعري ومميزاته
تميز الشاعر سعيد بن عتيق الهاملي بأسلوب شعري فريد وخاص به، جعله يستحق التوقف عنده ودراسة شعره بعمق. من أبرز مميزات أسلوبه أنه كتب معظم شعره في مرحلة الشباب، مما أضفى على قصائده قوة وجمالًا وعذوبة وحيوية. هذا التميز يختلف عن العديد من الشعراء الذين تفاوتت مستويات قصائدهم باختلاف مراحل حياتهم. شعره وجداني عفيف نقي ساحر، يصور حنينه وشوقه لمحبوبته بأسلوب رقيق وعميق. كان الهاملي بارعًا في استخدام الاستعارات والمجازات والرموز، مما ارتقى بالقصيدة النبطية إلى مستويات عالية من التوليف الفني.
كما أجاد الهاملي في فنون الشعر الشعبي المتحركة مثل التغرودة والونّة والطارج، وهي فنون تتطلب مهارة خاصة في الأداء واللحن، مما يدل على تمكنه من أدوات الشعر الشعبي وقدرته على تطويعها للتعبير عن مشاعره وأفكاره. شعره يتميز بالشفافية وجمال الألفاظ وحبه للحياة، مما يجعله قريبًا من القلوب ومؤثرًا في النفوس. كان يمتلك قدرة فائقة على رسم الصور الإبداعية الجميلة المستوحاة من بيئة البادية، مما يعكس شوقه وحنينه لمن سكن تلك البيئة.
أبرز قصائده ومطالع أبياتها
ترك الشاعر سعيد بن عتيق الهاملي ديوانًا شعريًا غنيًا بالقصائد التي لا تزال تُردد وتُحفظ. من أبرز قصائده التي تُظهر أسلوبه الوجداني والعفيف:
```
يا أهل النوق الحبايب لي يقطعن لمروت
لي في ليل الـدجايا يداقلن بـالـسـروت
```
في هذه القصيدة، يرسم الهاملي صورًا إبداعية جميلة من البادية، ويصور الشوق والحنين لمن سكنها، متجليًا فيها شفافية شعره وجمال ألفاظه وحبه للحياة.
تُظهر هذه القصائد وغيرها من أعماله مدى تمكنه من اللغة الشعرية وقدرته على صياغة المعاني العميقة بأسلوب سلس وممتع، مما جعل شعره يعمر طويلاً ويبقى نبراسًا لكل من يهتم بدراسة الشعر النبطي الإماراتي.
تأثيره في الساحة الشعبية
على الرغم من وفاته المبكرة، إلا أن الشاعر سعيد بن عتيق الهاملي ترك تأثيرًا عميقًا ودائمًا في الساحة الشعرية الشعبية في الإمارات والخليج العربي. يُعتبر شعره ميراثًا ذهبيًا مشعًا ولامعًا وثقيلاً في ميزان الأدب الشعبي المحلي. ساهم في نشر وتعميم الشعر النبطي، وكان من أهم الشعراء الذين ارتقوا بالقصيدة النبطية إلى مستويات عالية من التوليف القائم على الاستعارات والمجازات والرموز. لقد طوّر من خلال شعره ما يُعرف بالتغرودة والونّة والطارج، وهي من فنون الشعر الشعبي المتحركة التي وجدت قبولًا واسعًا لدى متلقي الشعر المحلي والشغوفين به.
تأثير الهاملي لم يقتصر على جودة شعره فحسب، بل امتد إلى كونه نموذجًا للشاعر الذي يجمع بين الأصالة البدوية والفن الشعري الرفيع. قصائده لا تزال تُدرس وتُحلل في الأوساط الأكاديمية والمهتمة بالشعر النبطي، وتُعد مصدر إلهام للعديد من الشعراء الشباب. كما أن ذكره في البرامج الثقافية والإعلامية، مثل برنامج "شدو الحروف"، يؤكد على مكانته الرفيعة وأهمية إرثه الشعري في الذاكرة الثقافية الإماراتية. لقد أسهم الهاملي في ترسيخ مكانة الشعر النبطي كجزء أصيل من الهوية الثقافية للمنطقة، وترك خلفه كنزًا من الكلمات التي تحكي عن حياة البداوة، والحب، والحكمة، والشجاعة، مما يجعله واحدًا من عمالقة الشعر النبطي الذين لا يُنسون.