شارك هذا المقال

حجم الخط:(عادي)

لا أحد يتحدث عن الروائح.

في كل ما كُتب عن التاكسي وسائقيه وركابه، لم أجد أحداً تحدث عن الروائح. وهذا غريب، لأن الروائح — في تجربتي — كانت أحياناً أكثر بلاغةً من الكلمات.

رائحة الصباح الباكر

الراكب الذي يصعد في السادسة صباحاً يحمل معه رائحة مختلفة عن راكب الظهيرة. رائحة الصباح الباكر فيها شيء من الصدق — رائحة القهوة الأولى، ورائحة الماء البارد، ورائحة الإنسان الذي لم يرتدِ بعد قناعه اليومي. هؤلاء الركاب — في الغالب — يكونون أكثر هدوءاً وأكثر إنسانية. كأن النوم يُعيد للإنسان شيئاً من طبيعته الأصلية.

رائحة التعب

وثمة رائحة أخرى تعرفتُ عليها جيداً — رائحة التعب الحقيقي. ليست رائحة العرق فحسب، بل رائحة مركّبة تحملها ملابس من عمل ثماني ساعات أو عشراً في مكان لا يعرف التهوية. هذه الرائحة تحكي قصة كاملة قبل أن يتكلم صاحبها: قصة رجل يعمل بجد، ويعود إلى بيته منهكاً، ويحمل على ظهره مسؤوليات لا يراها أحد.

كنتُ في مثل هذه الحالات أُخفّض الموسيقى قليلاً، وأفتح النافذة بحذر، وأسلك الطريق الأهدأ. ليس شفقةً — بل احتراماً.

رائحة العطر الثقيل

وثمة رائحة ثالثة — رائحة العطر الثقيل الذي يملأ السيارة كلها. هذا الراكب في الغالب يكون مستعجلاً، ويتكلم بصوت عالٍ في الهاتف، ويعطيك تعليمات الطريق وكأنك لا تعرف المدينة. العطر الثقيل — في تجربتي — كثيراً ما يكون درعاً يرتديه الإنسان ليقول للعالم: "أنا هنا، انتبهوا لي."

وكنتُ أبتسم في سري وأفكّر: من يحتاج إلى إعلان حضوره بهذه الطريقة، ربما لم يصل بعد إلى الاطمئنان بحضوره.

ما علّمتني إياه الروائح

الروائح لا تكذب. الكلمات تُصاغ وتُعدَّل وتُلمَّع قبل أن تخرج من الفم. لكن الرائحة تخرج كما هي — صادقة، مباشرة، لا تعرف المجاملة.

وهذا ما جعل تجربة السيارة مختلفة عن كل تجاربي السابقة. في المكتب، كنت أسمع ما يريد الناس أن أسمعه. في السيارة، كنت أشمّ ما لا يريدون أن أشمّه. وبين هذين العالمين، تعلّمت أن الإنسان الحقيقي يسكن في المسافة بين ما يقوله وما يحمله.


*هذه القصة جزء من سلسلة يوميات سائق — حلقات من تجربة حقيقية عاشها المستشار غازي بن حمدان الشاعر.*