لم يكن أحمد يتخيّل أنه سيُفطر هذا العام على رصيف في بيروت. قبل أسبوعين كان في بيته في الضاحية الجنوبية، يُعدّ لاستقبال رمضان بالفرح المعتاد. اليوم يحمل ابنته الصغيرة على كتفه، ولا يعرف أين سينام الليلة. يقول: "الصوم أهون مما نحن فيه. ما يُؤلمني هو أنني لا أستطيع أن أُطعم ابنتي."

قصة أحمد ليست استثناءً في رمضان 2026. هذا العام، يصادف الشهر الفضيل حرباً تشتعل في قلب المنطقة، تُلقي بظلالها على ملايين المسلمين الذين كانوا يُعدّون للصوم والعبادة والتجمّع العائلي، فوجدوا أنفسهم يُعدّون للنجاة.

رمضان في الأرقام والمعاناة

كتبت صحيفة نيويورك تايمز في الثامن من مارس تقريراً بعنوان "رمضان في زمن الحرب"، وصفت فيه كيف أن الناس في لبنان يفرّون من الحرب وهم صائمون، غير مدركين من أين ستأتي وجبة إفطارهم. التقرير يُجسّد واقعاً مؤلماً: الصوم الجسدي يصبح أهون بكثير حين يُضاف إليه صوم الخوف والترقّب وفقدان البيت.

في إيران، يصوم الناس وسط الغارات الجوية. في لبنان، يصوم النازحون في مراكز الإيواء. في غزة التي لم تنتهِ أزمتها بعد، يصوم الناس وسط الدمار والحصار. وفي كل هذه الأماكن، يبقى رمضان رمضان: شهر الصبر والتقرّب إلى الله، لكن بثمن إنساني باهظ.

الصوم في الفقه الإسلامي وقت الحرب

الفقه الإسلامي لم يغفل عن هذا الواقع. فالمسافر والمريض والمقاتل لهم رخص في الإفطار. العلماء يُفتون بأن من كان في حالة حرب أو نزوح أو خطر على حياته يجوز له الإفطار والقضاء لاحقاً. لكن كثيراً من المسلمين في مناطق النزاع يختارون الصوم رغم الرخصة، لأن الصوم يمنحهم شعوراً بالثبات والانتماء في وقت فقدوا فيه كل شيء آخر.

قالت أم محمد، نازحة لبنانية في الثامنة والأربعين من عمرها: "الصوم هو الشيء الوحيد الذي لم يأخذوه مني. بيتي ذهب، وأثاثي ذهب، وجيراني تفرّقوا. لكن صيامي لا يستطيع أحد أن يأخذه."

الهلال الأحمر والجمعيات الخيرية في الميدان

في مواجهة هذه المأساة، تُضاعف منظمات الإغاثة جهودها. الهلال الأحمر الإماراتي والسعودي والقطري ضخّوا ملايين الدولارات لتأمين وجبات الإفطار للنازحين. جمعيات خيرية من الكويت والأردن والمغرب أرسلت شاحنات محمّلة بالمواد الغذائية. وفي كل مكان، يتجلّى معنى رمضان الحقيقي: أن تُطعم جائعاً، وأن تُواسي مكلوماً، وأن تُذكّر المحطوم أن الله لم ينسَه.

رمضان كمقاومة

ثمة بُعد آخر لرمضان في زمن الحرب لا يُقال كثيراً: إنه فعل مقاومة. حين يصوم الناس وسط الحرب، ويُقيمون صلاة التراويح في مراكز الإيواء، ويتجمّعون على مائدة الإفطار ولو كانت بسيطة، فإنهم يُرسلون رسالة واضحة: نحن هنا، ولم نُكسَر، وإيماننا أقوى من قنابلكم.

هذا ما فعله المسلمون في كل حرب مرّت عليهم. في الحرب العالمية الثانية، صام المسلمون في شمال أفريقيا وسط المعارك. في حروب البوسنة، صام الناس في المدن المحاصرة. وفي رمضان 2026، يصوم المسلمون في مناطق النزاع ويُثبتون مرة أخرى أن الإيمان لا يُقهر.

دعوة للتضامن

لمن يقرأ هذا المقال من موقع الأمان والاستقرار، رمضان هذا العام يحمل رسالة خاصة: تذكّر أن صيامك في بيتك الدافئ، مع عائلتك، على مائدة مليئة بالطعام، هو نعمة لا يملكها ملايين غيرك. وأن أفضل ما يمكنك فعله هو أن تُشارك بعض هذه النعمة مع من يحتاجها.