بسم الله الرحمن الرحيم
أبدأ اليوم سلسلة مرافئ الذكريات لأدوّن فيها شيئاً من حصاد السنين ومواقف لا تُنسى من مسيرتي المهنية التي تنقلت فيها بين أكثر من ثلاثين شركة ومؤسسة محلية وعالمية منذ بداياتي في أواخر الثمانينيات. لن ألتزم بتسلسل زمني صارم بل سأترك لقلبي وذاكرتي حرية التنقل بين المحطات أقطف لكم من كل بستان زهرة ومن كل محطة موقفاً طريفاً أو درساً قيماً.
الفراغ الوظيفي وثمنه
في مسيرتي المهنية الطويلة كنت كغيري أمر بفترات انتقالية بين وظيفة وأخرى أو ما نسميه بـ "الفراغ الوظيفي". في تلك الأيام كانت الأوقات تمضي ثقيلة بين الجلوس في المنزل أو التجول بالسيارة بلا وجهة محددة.
وقبل نحو خمسة عشر إلى عشرين عاماً وفي إحدى تلك الفترات تواصل معي زميل عزيز ليخبرني عن وسيط من إحدى الدول العربية مهمته التواصل مع الشركات الكبرى قبل دخولها السوق السعودي لترتيب لقاءات مع عينات عشوائية من المجتمع لاستطلاع آرائهم حول منتجات معينة.
كان هذا الوسيط يرتب لي ولعدد من الشباب وكبار السن مواعيد أسبوعية مع شركات مختلفة. وما جعلني أنتظم في حضور هذه اللقاءات خاصة في فترات الفراغ هو ما يعقبها من كرم ضيافة فقد كانت تتخللها بوفيهات مفتوحة وفي نهايتها نُمنح هدايا قيمة كالعطور الفاخرة وغيرها مما جعلها فرصة لا تُفوت لشغل وقت الفراغ بشيء ممتع ومفيد.
أذكر مرة أن إحدى الشركات أرادت طرح نوع جديد من التبغ فجمعونا نحو أحد عشر شخصاً من فئات عمرية متباينة لأخذ آرائنا. ورغم أنني لا أدخن كنت أبدي رأيي بصدق وتجرد مدركاً أن إجاباتنا قد تكون الفيصل في قرار الشركة بدخول السوق أو الإحجام عنه.
المكالمة التي غيّرت يومي
وذات يوم في وقت الضحى اتصل بي الوسيط ذاته بصوت يملؤه التوتر وقال:
"أستاذ غازي أحتاجك ضروري الآن هل أنت متفرغ؟"
أجبته: "خيراً يا رجل ماذا هناك؟"
قال: "هناك وفد من إحدى الدول الخليجية جاؤوا لدراسة السوق السعودي ويريدون مقابلة رجل أعمال خبير في العقارات يمتلك شركات وملايين. لقد اتفقت مع رجل أعمال حقيقي لكنه اعتذر في اللحظة الأخيرة فتذكرتك. أرجوك ارتدِ أفضل ما لديك وتقمص شخصية المليونير العقاري وتعال فوراً إلى فندق البلاد على كورنيش جدة."
ضحكت في سري. أنا في ذلك الوقت لم أكن أملك حتى ثمن وقود سيارتي. لكنني وافقت.
ارتديت أفخر ثيابي وتأنقت بما يليق بـ "أضخم رجل أعمال سعودي" وانطلقت إلى الفندق.
المليونير يدخل المسرح
بمجرد وصولي إلى بهو الفندق سألت عن الوفد فوجدت شابين أنيقين يرتديان الزي الإماراتي. رحبا بي بحفاوة وعرضا عليّ القهوة فتقمصت الدور فوراً وقلت بنبرة المشغول:
"أنا وقتي ضيق جداً يمكنني أن أمنحكم ربع ساعة فقط."
تفاجآ وقالا: "ربع ساعة لا تكفي لقد اتفقنا على ساعة كاملة."
ألقيت باللائمة على الوسيط الذي "لم يخبرني بالحقيقة" لكنني وافقت على البدء.
دخلنا قاعة الاجتماعات وبدأت الأسئلة تنهال عليّ حول العقارات في جدة والأبراج والمشاريع المستقبلية. ولحسن حظي كنت قد عملت سابقاً في شركتين عقاريتين فكانت لديّ خلفية لا بأس بها مكنتني من تقديم إجابات مقنعة أو على الأقل قريبة من الواقع. كنت أؤدي دور المليونير ببراعة ولم يملكوا إلا أن يصدقوني.
الفخ الذي نصبته لنفسي
لكن الرياح بما لا تشتهي السفن.
فجأة انتقل الحديث من جدة إلى مكة. ولأنني أردت الهروب من أسئلة جدة التي قد تكشف جهلي ببعض التفاصيل الدقيقة قلت بثقة مبالغ فيها:
"مكة هي ملعبي! أنا مقيم في مكة أساساً رغم تواجدي الحالي في جدة."
ابتلعوا الطعم وسألوني: "كم يبلغ سعر المتر المربع في المنطقة المركزية حول الحرم المكي؟"
هنا سقطت في الفخ. حسبت الأمر في رأسي سريعاً وقلت بثقة لا تقبل الشك:
"مئة ألف ريال! نعم مئة ألف ريال للمتر الواحد."
تبادل الشابان النظرات وبدا عليهما الاستغراب الشديد. استأذنا وخرجا من الغرفة للتشاور.
في تلك اللحظة أدركت أنني ارتكبت خطأً فادحاً وأن إجابتي كانت خيالية وبعيدة كل البعد عن الواقع. تورطت! ماذا أفعل الآن؟ فكرت في الهرب لكنهما كانا يقفان أمام باب الغرفة فسُدّت في وجهي كل المنافذ.
الهروب الكبير
عندما عادا كانت ملامحهما متغيرة تماماً. أدركا أن هناك خطباً ما وأن هذا "المليونير" ليس سوى وهم.
كان عليّ أن أتصرف بسرعة. تظاهرت بأن هاتفي يرن وأمسكت به قائلاً:
"ألو.. نعم؟ الصوت غير واضح انتظر دقيقة سأخرج لأكلمك."
التفت إليهما معتذراً: "عذراً مكالمة هامة من الوالد سأرد عليه في الخارج وأعود فوراً."
خرجت من الغرفة ولم ألتفت ورائي.
ركضت نحو سيارتي بأقصى سرعة ممكنة. لكن المفاجأة كانت بانتظاري. يبدو أنهما شكّا في أمري وتبعاني ليتأكدا من هويتي وربما ليروا سيارة "رجل الأعمال المليونير". وقفا على باب الفندق يراقبانني وأنا أتوجه نحو سيارتي القديمة المتهالكة المليئة بالصدمات والتي بالكاد تتحرك.
ركبت سيارتي وانطلقت هارباً من المشهد تاركاً خلفي وفداً مصدوماً ووسيطاً في ورطة وذكرى لن تُمحى من ذاكرتي ما حييت.
فائدة
مهما كانت مهاراتنا في تقمص الأدوار فإن الحقيقة دائماً تجد طريقها للظهور وغالباً في أكثر اللحظات حرجاً. الصدق والشفافية هما أقصر الطرق وأكثرها أماناً في التعامل مع الآخرين فالتظاهر بما لا نملك قد يضعنا في مواقف لا نُحسد عليها وقد يكلفنا أكثر مما كنا نتوقع.