كانت سارة تُعيد الوضوء سبع مرات قبل كل صلاة. تغسل يديها حتى تتشقق. تشك في كل حركة، في كل نية، في كل تكبيرة. تبكي بعد كل صلاة لأنها لا تعرف إن كانت صحيحة. ذهبت لعالم دين فقال لها: "قوّي إيمانك." ذهبت لطبيب فقال لها: "هذا وسواس قهري." لم تصدق أحداً منهما في البداية.

قصة سارة ليست استثناءً. إنها تُمثّل ملايين المسلمين حول العالم الذين يعيشون في صمت مع هذا المرض، يخلطون بين الوسواس الشيطاني الذي يُحذّر منه الإسلام، والوسواس القهري الذي هو اضطراب نفسي معترف به طبياً.

ما هو الوسواس القهري؟

الوسواس القهري أو ما يُعرف بـ OCD هو اضطراب نفسي يتمثّل في أفكار متكررة لا يريدها الشخص ولا يستطيع إيقافها، مصحوبة بأفعال إجبارية يقوم بها لتخفيف القلق الناتج عنها. يُصيب هذا الاضطراب نحو 2-3% من سكان العالم، أي ما يزيد على 200 مليون شخص.

الفارق الجوهري بين الوسواس الطبيعي والوسواس القهري هو الدرجة والتأثير. كلنا نُراجع أحياناً إن أغلقنا الباب، لكن مريض الوسواس القهري يعود للتحقق عشرين مرة، ثم يظل قلقاً رغم ذلك. الوسواس الطبيعي لا يُعطّل الحياة، أما الوسواس القهري فيُدمّرها.

الوسواس في الفقه الإسلامي

تعامل الفقه الإسلامي مع الوسواس بحكمة بالغة قبل أن يعرف العالم شيئاً عن علم النفس. يقول الإمام النووي رحمه الله في كتابه "المجموع": "الوسواس في الطهارة والصلاة ابتلاء من الله، والواجب على المبتلى به أن يُعرض عنه ولا يلتفت إليه."

وقد أفتى كبار العلماء بأن المصاب بالوسواس يُعامَل معاملة خاصة في الفقه. فمن يشك في طهارته بعد الوضوء لا يُعيد الوضوء، ومن يشك في عدد ركعاته يبني على اليقين. هذه الفتاوى ليست تساهلاً، بل هي علاج فقهي لمرض نفسي.

قال ابن القيم رحمه الله في "إغاثة اللهفان": "الوسواس مرض قلبي، وعلاجه الإعراض عنه والاستعاذة بالله، فإن الشيطان إذا علم أن المؤمن يستجيب لوسواسه زاد منه، وإذا أعرض عنه انكسر."

وهذا بالضبط ما يقوله علم النفس الحديث. العلاج المعرفي السلوكي لمرض OCD يقوم على مبدأ "التعرض ومنع الاستجابة" أي أن تتعرض للفكر الوسواسي دون أن تستجيب للفعل القهري. الفقه الإسلامي سبق إلى هذا المبدأ بقرون.

الوسواس الديني: النوع الأكثر إيلاماً

من أكثر أنواع الوسواس القهري إيلاماً ما يُسمى بـ "الوسواس الديني" أو Scrupulosity، وهو شائع بشكل خاص في المجتمعات الدينية. يتمثّل في أفكار تجديفية لا يريدها الشخص تأتيه أثناء الصلاة أو قراءة القرآن، أو شكوك مستمرة في صحة العبادات، أو خوف مبالغ فيه من الكفر والنفاق.

الشخص المصاب يعاني ضعفاً مضاعفاً: يعاني من المرض، ويعاني من الخوف من أن يكون المرض ذنباً. وهذا ما يجعل الوسواس الديني من أصعب أنواع الوسواس علاجاً.

الحقيقة التي يجب أن يعرفها كل مسلم مبتلى بهذا النوع: الأفكار التي تأتيك لا إرادياً لا تُحاسَب عليها. يقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري ومسلم: "إن الله تجاوز لأمتي ما حدّثت به أنفسها ما لم تعمل به أو تتكلم." وقد قال الصحابة للنبي صلى الله عليه وسلم إنهم يجدون في أنفسهم ما يستعظمون التحدث به، فقال: "ذاك صريح الإيمان." أي أن وجود هذه الأفكار والاستعظام منها دليل على الإيمان، لا على ضعفه.

ماذا يقول الطب الحديث؟

يُجمع الأطباء النفسيون على أن الوسواس القهري مرض عضوي في جوهره. الدراسات بالتصوير بالرنين المغناطيسي أثبتت وجود اختلافات في نشاط مناطق معينة من الدماغ لدى مرضى OCD، خاصة في الدائرة الأمامية المخططية. هذا يعني أن المريض لا يختار أفكاره، تماماً كما لا يختار مريض السكري ارتفاع سكره.

علاج الوسواس القهري يشمل مساراً مزدوجاً: العلاج النفسي المعرفي السلوكي، والعلاج الدوائي بمثبطات إعادة امتصاص السيروتونين الانتقائية. الشفاء التام ممكن لكثير من المرضى، والتحسن الكبير ممكن للجميع.

الجمع بين الطريقين

الحكمة الحقيقية تكمن في الجمع بين الطريقين: الطريق الديني والطريق الطبي. الدين يُعطي المريض الأمل والسكينة ويُخبره أن الله لا يُحاسبه على ما لا يملكه، والطب يُعطيه الأدوات العلمية للتعافي.

لا تناقض بين أن تستعيذ بالله من الشيطان وأن تذهب لطبيب نفسي. لا تناقض بين أن تقرأ أذكار الصباح والمساء وأن تأخذ دواءك. الإسلام دين يأمر بالأخذ بالأسباب، والطب سبب من الأسباب.

نصائح للمبتلى

إن كنت تعاني من الوسواس القهري، فاعلم أولاً أن ما تشعر به مرض وليس ذنباً. ثانياً، لا تُعيد العبادة بسبب الشك، فإعادتها تُغذّي الوسواس ولا تُعالجه. ثالثاً، اطلب المساعدة المتخصصة من طبيب نفسي أو معالج نفسي متخصص في OCD. رابعاً، تذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم: "ما أصاب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم، حتى الشوكة يُشاكها، إلا كفّر الله بها من خطاياه."

ابتلاؤك بهذا المرض ليس عقوبة، ربما هو رفعة درجات لا تعلمها.

كلمة أخيرة

سارة التي بدأنا بها القصة تعافت. لم يكن التعافي فورياً، لكنه جاء حين جمعت بين الفقه الصحيح الذي أخبرها أن الله لا يُحاسبها على ما لا تملكه، والعلاج النفسي الذي أعطاها أدوات التعامل مع الأفكار الوسواسية. اليوم تُصلي بخشوع، لا بقلق.

الله رحيم بعباده. وهو الذي قال: "لا يُكلّف الله نفساً إلا وسعها."