حجم الخط:(عادي)

في رحاب الأدب العربي، تتلألأ أسماءٌ كنجومٍ في سماء الإبداع، لكن قلةً منها تترك أثراً عميقاً لا يُمحى في وجدان الأمة وذاكرتها الجمعية. ومن بين هؤلاء الأفذاذ، يبرز اسم الشاعر العراقي الكبير مظفر النواب، الذي لم يكن مجرد ناظمٍ للكلمات، بل كان صوتاً مدوياً للثورة، ولساناً فصيحاً للجنوب العراقي، وضميراً حياً للأمة في أحلك ظروفها. لقد نسج النواب من خيوط المعاناة والأمل قصائد خالدة، حملت في طياتها مرارة المنفى، وشجن الوطن، ولهيب المقاومة، لتظل شهادةً حيةً على زمنٍ مضى، وبوصلةً للأجيال القادمة.

سيرة شاعر الثورة والمنفى

ولد مظفر عبد المجيد النواب في بغداد عام 1934، لعائلة شيعية أرستقراطية ذات أصول هندية، عُرفت باهتمامها العميق بالفنون والآداب والشعر والموسيقى. كان قصر العائلة المطل على نهر دجلة ملتقىً للأدباء والشعراء والسياسيين، مما صقل موهبة النواب الشعرية منذ نعومة أظفاره. ينتمي النواب بأصوله القديمة إلى عائلة النواب التي ينتهي نسبها إلى الإمام موسى الكاظم، وقد استقرت العائلة في العراق بعد أن قاوم أجداده الاحتلال الإنجليزي للهند ونُفوا منها.

أكمل النواب دراسته الجامعية في جامعة بغداد، حيث تخصص في الأدب، وعمل مدرساً بعد تخرجه. إلا أن مسيرته التعليمية لم تدم طويلاً، فقد طُرد من وظيفته عام 1955 لأسباب سياسية، ليواجه ثلاث سنوات من البطالة في ظل ضائقة مالية عصفت بأسرته. انضم النواب إلى الحزب الشيوعي العراقي وهو لا يزال طالباً، مما عرضه للملاحقة والتعذيب على يد الحكومة الهاشمية. بعد ثورة 14 تموز 1958 التي أطاحت بالنظام الملكي، عُين مفتشاً في وزارة التربية والتعليم.

في عام 1963، اضطر النواب لمغادرة العراق إلى إيران، وتحديداً إلى الأهواز عبر البصرة، بعد اشتداد الصراع بين القوميين والشيوعيين. هناك، تعرض للاعتقال والتعذيب على يد المباحث الإيرانية (السافاك) أثناء محاولته السفر إلى روسيا، ثم أُعيد قسراً إلى الحكومة العراقية. صدر بحقه حكم بالإعدام بسبب إحدى قصائده، خُفف لاحقاً إلى السجن المؤبد. أمضى النواب فترة في سجن نقرة السلمان الصحراوي، ثم نُقل إلى سجن الحلة جنوب بغداد.

في هروبٍ مثير، حفر النواب وعدد من السجناء السياسيين نفقاً تحت السجن، ليختفي بعدها في بغداد، ثم سافر إلى جنوب العراق وسكن الأهوار، حيث عاش مع الفلاحين والبسطاء لمدة عام تقريباً، وانضم إلى فصيل شيوعي سعى لقلب نظام الحكم. في عام 1969، صدر بيان العفو عن المعارضين، فعاد إلى سلك التعليم كمدرس.

بعد ذلك، غادر النواب بغداد إلى بيروت، ثم دمشق، وظل يتنقل بين العواصم العربية والأوروبية، ليقضي نصف عمره مطارداً وهارباً. تعرض لمحاولة اغتيال في اليونان عام 1981. اشتهر بقصائده الثورية القوية ونداءاته اللاذعة ضد الأنظمة العربية، وعاش في المنفى في عدة بلدان منها سوريا ومصر ولبنان وإريتريا، حيث أقام مع المتمردين الإريتريين. عاد إلى العراق عام 2011، بعد أن كان عديم الجنسية، يسافر بوثائق سفر ليبية حصل عليها خلال إقامته في ليبيا. صدرت أول طبعة كاملة لأعماله باللغة العربية في لندن عام 1996.

يُلقب النواب بـ «الشاعر الثوري»، وشعره حافل بالرموز الثورية العربية والعالمية، مستخدماً إياها لإثارة المشاعر العامة ضد الأنظمة القمعية والفساد السياسي والظلم. تميزت لغته الشعرية بقوتها، واستخدمت الألفاظ النابية أحياناً للتعبير عن غضبه. في بداياته، استخدم لهجة جنوب العراق لاعتقاده بأنها «أكثر ثورية»، لكنه تحول لاحقاً إلى اللغة العربية الفصحى في أعماله لجذب جمهور أوسع.

أبرز قصائده

تنوعت قصائد مظفر النواب بين الفصحى والعامية، وحملت في طياتها هموم الأمة العربية وقضاياها المصيرية. من أبرز قصائده التي لا تزال تتردد أصداؤها في الوجدان العربي:

القدس عروس عروبتنا

تُعد هذه القصيدة من أشهر أعمال النواب، وهي صرخة مدوية في وجه الصمت العربي تجاه القضية الفلسطينية. تتسم بالجرأة واللغة القوية التي لا تتردد في تسمية الأشياء بأسمائها:

مَنْ بَاعَ فِلَسْطِينَ وَأَثْرَى بِاللهِ

سِوَى قَائِمَةِ الشَّحَّاذِينَ عَلَى عَتَبَاتِ الْحُكَّامِ

وَمَائِدَةِ الدُّوَلِ الْكُبْرَى؟

فَإِذَا أَجَنَّ اللَّيْلُ تَطُقُّ الْأَكْوَابُ

بَانَ الْقُدْسُ عَرُوسُ عُرُوبَتِنَا

أَهْلًا أَهْلًا أَهْلًا

وتريات ليلية

من القصائد التي تعكس عمق التجربة الإنسانية للنواب، وتأملاته في الليل والذات والوجود. تتميز بلغة شعرية شفافة وعميقة:

فِي تِلْكَ السَّاعَةِ مِنْ شَهَوَاتِ اللَّيْلِ

وَعَصَافِيرِ الشَّوْكِ الذَّهَبِيَّةِ

تَسْتَجْلِي أَمْجَادَ مُلُوكِ الْعَرَبِ الْقُدَمَاءِ

وَشُجَيْرَاتِ الْبَرِّ تَفِيحُ بِدِفْءِ مُرَاهِقَةٍ بَدَوِيَّةٍ

يَكْتَظُّ حَلِيبُ اللَّوْزِ

الريل وحمد

من قصائده العامية التي اشتهرت بجمالها وعمقها، وتصويرها للحياة البسيطة في الجنوب العراقي، وحنينه إلى الوطن:

مُو حِزْن لَاچِن حَزِين

مِثِل مَا تِنْگِطِعْ جُوَّا الْمَطَرْ شِدَّة يَا سَمِين

آنَه گِتْلَكْ مُو حِزْن لَاچِن حَزِين

مِثِل صَنْدُوقِ الْعِرْسِ يِنْبَاعْ خِرْدَة عِشْگ

مِنْ تِمْضِي السِّنِين

جزر الملح

قصيدة أخرى تعكس مرارة المنفى والشعور بالغربة، وتتسم بأسلوب النواب المميز في التعبير عن الألم والأمل:

يا جَزْرَ الْمِلْحِ

يا بَحْرَ الْأَحْزَانِ

كَمْ مِنْ قُلُوبٍ

ذَابَتْ عَلَى شَاطِئِكَ

وَكَمْ مِنْ أَرْوَاحٍ

تَاهَتْ فِي عُمْقِكَ

خاتمة: إرث لا يزول

رحل مظفر النواب عن عالمنا في 20 أيار/مايو 2022 في الشارقة، بعد صراع طويل مع المرض، ونُقل جثمانه إلى مسقط رأسه بغداد ليدفن في النجف حسب وصيته. لكنه لم يرحل حقاً، فإرثه الشعري والثوري لا يزال حياً في وجدان الأمة العربية. لقد كان النواب أكثر من مجرد شاعر؛ كان ضميراً حياً، ولساناً صادقاً، وصوتاً للذورة والجنوب، لم يخشَ قول الحق في وجه الظلم والطغيان. قصائده ستبقى منارةً للأجيال، تضيء دروب النضال، وتلهم البحث عن الحرية والعدالة. إن مظفر النواب سيبقى خالداً في ذاكرة التاريخ، كشاعرٍ لم يساوم على مبادئه، ولم يتنازل عن قضايا أمته، وظل وفياً لـ "شاعر الثورة والجنوب" حتى الرمق الأخير.

المراجع