في رحاب الشعر النبطي، حيث تتراقص الكلمات على إيقاع البادية، ويصدح صوت الأصالة بجمال المعنى وعمق الإحساس، يبرز اسم الشاعر الكبير مساعد بن ربيع الخياري الرشيدي، كقامة شامخة، وقيثارة عزفت ألحان الوجدان، فلامست شغاف القلوب وأسرت الألباب. لم يكن الرشيدي مجرد شاعر ينسج القوافي، بل كان فيلسوفًا يرى الحياة بعين البصيرة، ويترجم خلجات الروح إلى أبيات خالدة، تتجاوز حدود الزمان والمكان، لتظل محفورة في ذاكرة الأدب الشعبي.
سيرة شاعر من قلب الصحراء
ولد مساعد الرشيدي في مدينة الدمام عام 1382هـ الموافق 1962م، وقضى سنوات طفولته الأولى في الكويت، ثم انتقل إلى خميس مشيط حيث عمل والده في الجيش. تخرج من المرحلة الثانوية والتحق بكلية الحرس الوطني، ليتدرج في الرتب العسكرية حتى وصل إلى رتبة عميد في الحرس الوطني السعودي، وعمل في مدينة الرياض. هذه النشأة المتنقلة بين عدة مدن ودول، أثرت في تكوينه وشخصيته، ومنحته عمقًا في الرؤية واتساعًا في الأفق، انعكس جليًا في شعره.
بدأ الرشيدي مشواره الشعري في سن مبكرة، قبل أكثر من ثلاثة عقود ونصف، حيث احتضنت مجلة «اليمامة» بداياته الأولى. ورغم نصيحة والده له بالابتعاد عن الشعر في فترة المراهقة، إلا أن فطرته الشعرية كانت أقوى من أن تُقمع، فاستمر في نسج القصائد التي لم يُنشر الكثير منها في بداياته. نشأ الرشيدي في عائلة شعرية بامتياز، فأمه كانت شاعرة، وكذلك عمه ووالده، مما يؤكد أن الشعر كان يجري في عروقه ويسري في دمه.
تلقى الرشيدي ابتعاثًا لمدة عام إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وخلال هذه الفترة، انتابه حنين جارف لوطنه، فكانت قصيدته الشهيرة "حزين من الشتا" تعبيرًا صادقًا عن هذا الشوق الجارف، وصدى لغربته الروحية.
أمسيات خالدة وإصدارات مضيئة
احتضنت مدينة الجوف أولى أمسيات الرشيدي الشعرية، بمشاركة الشاعرين نايف صقر وماجد الشاوي. تلتها أمسية الكويت التي اعتبرها نقطة انطلاقته الحقيقية، ثم أمسية البحرين، والمهرجان الوطني للتراث والثقافة بالرياض، بمشاركة شعراء كبار مثل محمد بالمر وعبد الرحمن الأبنودي وفهد عافت. توالت بعد ذلك أمسياته في مدن سعودية مختلفة كجدة وحائل والمجمعة والدمام والقصيم وأبها، بالإضافة إلى مشاركاته في دول الخليج، وتمثيله للمملكة في مهرجان الشعر الشعبي بليبيا.
كانت آخر أمسياته عام 2014م في مهرجان "هلا فبراير" بالكويت، بمشاركة رفيق دربه نايف صقر، وأمسية "وطني الحبيب" التي أقامتها جمعية الثقافة والفنون بالرياض بمناسبة اليوم الوطني السعودي. كما استضيف في برامج تلفزيونية عديدة، منها برنامج "دانات" مع نجاح المساعيد على قناة أبوظبي، وأُجريت معه لقاءات صحفية في مجلة المختلف، واستضافه علي العلياني في برنامجه "يا هلا رمضان" على قناة روتانا خليجية. وقد أشاد به الأمير بدر بن عبد المحسن، واصفًا إياه بأفضل شاعر.
ترك الرشيدي خلفه إرثًا شعريًا غنيًا، تمثل في عدة إصدارات منها: "سيف العشق"، و"حبات رمان على ثلج"، وديوان صوتي مسموع بعنوان "مراهيش". كما تغنى بقصائده العديد من كبار الفنانين العرب، منهم محمد عبده، وعبد المجيد عبد الله، وطلال سلامة، وأحمد الجميري، ومحمد السليمان، وعباس إبراهيم، وأحلام، وشمة حمدان، وفؤاد عبد الواحد.
من روائع قصائده
ينجرح قلب
تُعد قصيدة "ينجرح قلب" من أشهر قصائد مساعد الرشيدي، وتجسد عزة النفس والكبرياء التي اشتهر بها الشاعر. إليك بعض أبياتها:
يَنْجَرِحْ قَلْبْ لَكِنْ تَرْتَفِعْ هَامَهْ
وَاللهِ إِنِّي لَأَمُوتْ وَلَا أَنْحَنِي رَاسِي
لَوْ رَمَانِي زَمَانِي وَسْطْ دَوَّامَهْ
الْعَوَاصِفْ شَدِيدَهْ وَالْجَبَلْ رَاسِي
أَنْقِلْ الْحِزْنْ وَأَمْشِي مُنْتَصِبْ قَامَهْ
قَاسِي الْوَقْتْ لَكِنِّي بَعْدْ قَاسِي
وَأَسْمَعْ الْحِلْمْ يَصْرُخْ لَحْظَةَ إِعْدَامَهْ
رَابِطْ الْجَاشْ مَا هَزَّ الْخَبَرْ بَاسِي
عِزَّتِي غَالِيَهْ وَالنَّاسْ سَوَّامَهْ
قِلْتْ مَا أَطِيعْ حَتَّى تَقْطَعْ أَنْفَاسِي
زَانَتْ أَيَّامْ عُمْرِي شَانَتْ أَيَّامَهْ
مَا رَجَيْتْ الْعَزَاءْ مِنْ رَحْمَةِ النَّاسِي
مِنْ عَجَزْ لَا يَدُوسْ الْهَمْ بِقْدَامَهْ
لَازِمْ إِنَّهْ مَعَ الْأَيَّامْ يَنْدَاسِي
يَنْدَمِلْ جُرْحْ قَلْبْ مَاتَتْ أَحْلَامَهْ
بَسْ مَا أَظُنْ يَبْرَا جُرْحْ الْإِحْسَاسِي
يَوْمْ صَارَتْ مَا بَيْنَ الْقَلْبْ وَالْهَامَهْ
وِيشْ أَبَى بِالْحَيَاةْ إِلْيَا انْحَنَى رَاسِي
كلك غلا
من القصائد العاطفية التي لاقت رواجًا كبيرًا، وتُظهر جانبًا آخر من شعر الرشيدي، وهو الجانب الرقيق المفعم بالمشاعر. إليك بعض أبياتها:
كِلِّكْ تَعَالِي غَلَا ... وَإِلَّا ارْجِعِي كِلِّكْ
بَعْضْ الْغَلَا مِنْكِ مَا يَسْتَاهِلْ الْجِيَّهْ
طَالَتْ وَأَنَا فِي رَجَا لَيْتِكْ.. وَيَا عَلِّكْ
أَوْرَاقْ بِالذَّاكِرَةِ .. وَأَوْرَاقْ مَنْسِيَّهْ
مَا بَلَّ ثَوْبِكْ مَطَرْ شَوْقِي وَلَا بَلِّكْ
لَوْ عَلَّتِكْ مِنْ سَحَابِ الرُّوحِ وَسْمِيَّهْ
لِيَهْ أَمْشِي الدَّرْبَ دَامَهْ مَا يُوَصِّلْ لِكْ
تَخَافُ رَمْضَا الضَّيَاعِ أَقْدَامَ رِجْلِيَّهْ
يَا بِنْتُ تُوَّ الْهَوَى مَا صِرْتُ أَنَا خِلِّكْ
لِلْحِينِ .. مَا زَالَتِ الصُّورَةُ رَمَادِيَّهْ
وَمَا زَالَ بَعْضُ الْغُمُوضِ الشَّرِهِ يَحْتَلُّكْ
وَشْلُونَ أَنَا أَعْشَقِكْ وَأُحِبُّكْ عَلَى النِّيَّهْ
أَشُوفِكْ هُنَاكَ قُدَّامِي .. وَلَا أَدُلُّكْ
صَعْبُ الْكِتَابَةِ لِيَا صَارَ الْوَرَقُ مِيَّهْ
إِنْ كَانَ شَمْسِكْ تُسَاوِمُنِي عَلَى ظِلِّكْ
مَا عَادَ أَبِي مِنْكِ لَا شَمْسَ .. وَلَا فَيَّهْ
إِمَّا تَعَالِي لِقَلْبٍ .. فَزَّ لِكْ كِلِّكْ
وَإِلَّا اتْرُكِينِي مَا أَبِي لِكْ بِالْهَوَى جِيَّهْ
حزين من الشتا
هذه القصيدة التي كتبها الرشيدي خلال فترة ابتعاثه إلى أمريكا، تعبر عن حنينه وشوقه لوطنه، وتعتبر من أجمل قصائده التي تلامس الوجدان:
حَزِينٌ مِنَ الشِّتَا وَإِلَّا حَزِينٌ مِنَ الظَّمَا يَا طَيْرُ
دَخِيلُ الرِّيشَتَيْنِ الَّتِي تَضُفُّكَ حَلَّ عَنْ عَيْنِي
دَخِيلُ الْمَا وَمِلْحِ الْمَا وَحُزْنِ الْمَا قَبْلَ مَا تَطِيرُ
تَهَيَّأْ لِلْهُبُوبِ الَّتِي تُصَافِقُ فِي شَرَايِينِي
رحيل فارس الكلمة
توفي الشاعر مساعد الرشيدي فجر يوم الخميس الموافق 12 يناير 2017م، في مدينة الملك عبد العزيز الطبية للحرس الوطني، بعد صراع مع المرض، عن عمر يناهز 55 عامًا. أقيمت الصلاة عليه في جامع الراجحي بالرياض، ودُفن في مقبرة النسيم. حضر جنازته عدد كبير من الأمراء والشعراء ومحبيه، في وداع مهيب يليق بفارس الكلمة الذي ترك بصمة لا تُمحى في سماء الشعر النبطي.
لقد كان مساعد الرشيدي ظاهرة شعرية فريدة، جمعت بين قوة المعنى وجمال اللفظ، وعمق الفكرة وجزالة التعبير. سيظل اسمه محفورًا في سجل الخالدين، وستبقى قصائده منارة تضيء دروب الأجيال القادمة، شاهدة على شاعرية فذة، وروح أصيلة، ووجدان صادق، جعل منه "شاعر الصحراء الكويتية" الذي تجاوزت شهرته حدود الكويت لتصل إلى كل قلب يعشق الشعر النبطي الأصيل.