حجم الخط:(عادي)

في رحاب الأدب العربي الحديث، يبرز اسم محمد الماغوط كقنطرة عبور بين زمنين، وصرخة مدوية في وجه الصمت، ووشم لا يُمحى على جبين القصيدة النثرية. لم يكن الماغوط مجرد شاعر، بل كان ظاهرة أدبية، صوتًا شجيًا يصدح بالغضب والحزن، يمزجهما بجمال فريد، ليخلق نصوصًا تتجاوز حدود الكلمات لتلامس شغاف الروح. هو ذاك الفنان الذي نحت من قسوة الحياة ومرارة الواقع تحفًا أدبية خالدة، جعلت منه أيقونة لا تُنسى في سماء الشعر العربي.

سيرة شاعر من رحم المعاناة

وُلد محمد أحمد عيسى الماغوط في الثاني عشر من كانون الأول عام 1934، في مدينة السلمية التابعة لمحافظة حماة السورية. نشأ الماغوط في كنف أسرة فقيرة، حيث كان والده فلاحًا بسيطًا يعمل بالأجرة في أراضي الآخرين، مما ترك أثرًا عميقًا في تكوينه وشخصيته. تلقى تعليمه الأولي في الكتّاب، ثم التحق بالمدرسة الزراعية في السلمية، وأكمل دراسته الإعدادية فيها. انتقل بعدها إلى دمشق لمتابعة دراسته في الثانوية الزراعية بثانوية خرابو في الغوطة، لكن قسوة الظروف الاقتصادية حالت دون إكماله لدراسته، فعاد إلى مسقط رأسه السلمية.

لم تكن حياة الماغوط خالية من التقلبات السياسية والاجتماعية. فبعد عودته إلى السلمية، انضم إلى الحزب السوري القومي الاجتماعي، وهو انضمام لم يدم طويلاً، حيث سحب عضويته في الستينيات بعد تعرضه للسجن والملاحقة بسبب انتمائه. خلال هذه الفترة، عمل الماغوط فلاحًا، وبدأت موهبته الشعرية تتفتح، فنشر قصيدته الأولى «غادة يافا» في مجلة الآداب البيروتية. بعد ذلك، أدى خدمته العسكرية، حيث كتب قصيدته النثرية الأولى «لاجئة بين الرمال» التي نُشرت في مجلة الجندي عام 1951.

كان عام 1955 نقطة تحول مفصلية في حياة الماغوط، فبعد اغتيال عدنان المالكي، اتُهم الحزب السوري القومي الاجتماعي بالوقوف وراء الاغتيال، مما أدى إلى اعتقال وملاحقة العديد من أعضاء الحزب، وكان الماغوط من بينهم. حُبس في سجن المزة، وهناك، خلف القضبان، بدأت حياته الأدبية الحقيقية. تعرف في السجن على الشاعر الكبير علي أحمد سعيد إسبر، المعروف بأدونيس، الذي كان في الزنزانة المجاورة، وكانت هذه بداية علاقة فكرية وأدبية عميقة.

خلال فترة الوحدة بين سوريا ومصر، أصبح الماغوط مطلوبًا في دمشق، مما اضطره إلى الهرب إلى بيروت في أواخر الخمسينيات بطريقة غير شرعية. في بيروت، انضم إلى جماعة مجلة شعر، حيث احتضنه الشاعر يوسف الخال بعد أن قدمه أدونيس للمجموعة. في هذه المدينة، نشأت صداقة وطيدة بين الماغوط والشاعر بدر شاكر السياب، كما تعرف على الشاعرة سنية صالح في بيت أدونيس، والتي أصبحت زوجته لاحقًا، وأنجب منها ابنتيه شام وسلافة.

عاد الماغوط إلى دمشق بعد أن ذاع صيته كشاعر متميز. صدرت مجموعته الشعرية الأولى «حزن في ضوء القمر» عام 1959، تلتها «غرفة بملايين الجدران» عام 1960. في السبعينيات، عمل رئيسًا لتحرير مجلة «الشرطة»، ونشر العديد من المقالات النقدية الساخرة. في هذه الفترة، اتجه إلى المسرح، فقدم مسرحياته الشهيرة «ضيعة تشرين» و«غربة» و«كاسك يا وطن»، التي لاقت نجاحًا كبيرًا وساهمت في تطوير المسرح السياسي العربي. كما ساهم في تأسيس جريدة تشرين السورية.

شهدت الثمانينيات سلسلة من المآسي الشخصية التي أثرت بعمق في نفس الماغوط وكتاباته. ففي عام 1984، توفيت شقيقته ليلى، ثم والده أحمد عيسى عام 1985. وفي العام نفسه، تلقى الضربة الأقسى بوفاة زوجته الشاعرة سنية صالح بعد صراع مع مرض السرطان. تبعتها وفاة والدته عام 1987. هذه الأحداث الأليمة زادت من عمق حزنه ومرارة سخريته، وجعلت من كتاباته مرآة تعكس آلام الإنسان العربي.

توفي محمد الماغوط في الثالث من نيسان عام 2006، عن عمر يناهز 73 عامًا، بعد تعرضه لجلطة دماغية في منزله بدمشق، تاركًا خلفه إرثًا أدبيًا غنيًا، ومدرسة شعرية فريدة، وصوتًا لا يزال يتردد صداه في وجدان الأجيال.

أبرز القصائد: صرخة في وجه الصمت

يُعد الماغوط رائدًا من رواد قصيدة النثر العربية، وقد تميزت قصائده بأسلوبها الساخر اللاذع، وعمقها الفلسفي، وتصويرها الواقعي للحياة العربية بكل ما فيها من ألم وغضب. ومن أبرز قصائده التي تعكس هذا الأسلوب الفريد قصيدة "القتل":

```arabic

ضَعْ قَدَمَكَ الحَجَرِيَّةَ عَلَى قَلْبِي يَا سَيِّدِي

الجَرِيمَةُ تَضْرِبُ بَابَ القَفَصِ

وَالخَوْفُ يَصْدَحُ كَالْكَرَوَانِ

هَا هِيَ عَرَبَةُ الطَّاغِيَةِ تَدْفَعُهَا الرِّيَاحُ

وَهَا نَحْنُ نَتَقَدَّمُ كَالسَّيْفِ الَّذِي يَخْتَرِقُ الجُمْجُمَةَ

أَيُّهَا الجَرَادُ المُتَنَاسِلُ عَلَى رُخَامِ الكَنِيسَةِ

أَيَّتُهَا السُّهُولُ المُنْحَدِرَةُ كَمُؤَخِّرَةِ الفَرَسِ

المَأْسَاةُ تَنْحَنِي كَالرَّاهِبَةِ

وَالصَّوْلَجَانُ المُذَهَّبُ يَنْكَسِرُ بَيْنَ الأَفْخَاذِ

كَانُوا يَكْدَحُونَ طِيلَةَ اللَّيْلِ

المُومِسَاتُ وَذَوُو الأَحْذِيَةِ المُدَبَّبَةِ، فِي شَارِعٍ مَا مِنَ العَالَمِ

يُعَطِّرُونَ شُعُورَهُمْ،

يَنْتَظِرُونَ القِطَارَ العَائِدَ مِنَ الحَرْبِ

كَانَ قِطَارًا هَائِلًا وَطَوِيلًا

كَنَهْرٍ مِنَ الزُّنُوجِ

يَئِنُّ فِي أَحْشَاءِ الصَّقِيعِ المُتَرَاكِمِ

عَلَى جُثَثِ القَيَاصِرَةِ وَالأَطْفَالِ

يَنْقُلُ فِي ذَيْلِهِ سُوقًا كَامِلًا مِنَ الوَحْلِ وَالثِّيَابِ المُهَلْهَلَةِ

ذَلِكَ الوَحْلُ الَّذِي يَغْمُرُ الزَّنْزَانَاتِ

وَالمَسَاجِدَ الكَئِيبَةَ فِي الشِّمَالِ

الطَّائِرُ الَّذِي يُغَنِّي يُزَجُّ فِي المَطَابِخِ

السَّاقِيَةُ الَّتِي تَضْحَكُ بِغَزَارَةٍ

يُرَبَّى فِيهَا الدُّودُ، تَتَكَاثَرُ فِيهَا الجَرَاثِيمُ

كَانَ الدُّودُ يَغْمُرُ المَدَارِسَ وَالمُسْتَنْقَعَاتِ

خِيطَانٌ رَفِيعَةٌ مِنَ التُّرَابِ وَالدَّمِ

تَتَسَلَّقُ مَنَصَّاتِ العُبُودِيَّةِ المُسْتَدِيرَةِ

تَأْكُلُ الشَّايَ وَرَبْطَاتِ العُنُقِ وَحَدِيدِ المَزَالِيجِ

مِنْ كُلِّ مَكَانٍ، كَانَ الدُّودُ يَنْهَمِرُ وَيَتَلَوَّى كَالْعَجِينِ

القَمْحُ مَيِّتٌ بَيْنَ الجِبَالِ

وَفِي التَّوَابِيتِ المُسْتَعْمَلَةِ كَثِيرًا فِي المَوَاخِيرِ وَسَاحَاتِ الإِعْدَامِ

كَانُوا يُعَبِّئُونَ شُحْنَةً مِنَ الأَظَافِرِ الطَّوِيلَةِ إِلَى الشَّرْقِ

وَفِي سُهُولِ أُوكْرَانْيَا الَّتِي تَنْبُعُ بِالحِنْطَةِ وَالدِّيدَانِ

حَيْثُ المَوْتَى يُلْقَوْنَ عَلَى المَزَابِلِ

كَانَتْ عَجَلَاتُ القِطَارِ أَكْثَرَ حَنِينًا إِلَى الشَّرْقِ

كَانَ يَدْوِي وَيَزْأَرُ فِي السُّهُولِ المُعَذَّبَةِ

يَلْهَثُ وَيَتَأَلَّقُ ذَلِكَ العَرِيسُ المُتَقَدِّمُ فِي السِّنِّ.

وَيَخْبِطُ بِذَيْلِهِ كَالتِّمْسَاحِ عَلَى وَجْهِ آسْيَا

كَانُوا يُعِدُّونَ لَهَا مِنْدِيلًا قَانِيًا فِي أَمَاكِنِ التَّعْذِيبِ

وَمِرْوَحَةً سَمِيكَةً مِنْ قُشُورِ اللَّحْمِ فِي سِيبِيرْيَا

كَثِيرٌ مِنَ الشُّعَرَاءِ يَشْتَهُونَ الحِبْرَ فِي سِيبِيرْيَا

البُنْدُقِيَّةُ سَرِيعَةٌ كَالجَفْنِ

وَالزِّنَادُ الوَحْشِيُّ هَادِئٌ أَمَامَ العَيْنَيْنِ الخَضْرَاوَيْنِ

هَا نَحْنُ نَنْدَفِعُ كَالذُّبَابِ المُسَنَّنِ

نُلَوِّحُ بِأَقْدَامِنَا وَمَعَاطِفِنَا

حَيْثُ المَدْخَنَةُ تَتَوَارَى فِي الهَجِيرِ.

وَأَسْنَانُ القِطَارِ مُحَطَّمَةٌ فِي الخَلَاءِ المُوحِشِ

الطِّفْلَةُ الجَمِيلَةُ تَبْتَهِلُ

وَالأَسِيرُ مُطَارَدٌ عَلَى الصَّخْرِ

أَنَامُ وَعَلَى وِسَادَتِي وَرْدَتَانِ مِنَ الحِبْرِ

الخَرِيفُ يَتَدَحْرَجُ كَالقَارِبِ الذَّهَبِيِّ

وَالسَّاعَاتُ المُرْعِبَةُ تَلْتَهِبُ بَيْنَ العِظَامِ

يَدِي مُغْلَقَةٌ عَلَى الدَّمِ

وَطَبَقَةٌ كَثِيفَةٌ مِنَ النَّوَاحِ الكَئِيبِ

تَهْدِرُ بَيْنَ الأَجْسَادِ المُتَلَاصِقَةِ كَالرَّمْلِ

مُسْتَاءَةً مِنَ النِّدَاءِ المُتَعَفِّنِ فِي شِفَاهٍ غَلِيظَةٍ

تَدْعُو لِلْغَثَيَانِ

حَيْثُ تَصْطَكُّ العُيُونُ وَالأَرْجُلُ

وَأَنِينٌ مُتَوَاصِلٌ يَسِيلُ فِي مَجَارِي المِيَاهِ الآسِنَةِ

شِفَاهٌ غَلِيظَةٌ، وَرِجَالٌ قُسَاةٌ

انْحَدَرُوا مِنْ أَكَمَاتِ الجَهْلِ وَالحِرْمَانِ

لِيَلْعَقُوا مَاءَ الحَيَاةِ عَنْ وُجُوهِنَا

كُنَّا رِجَالًا بِلَا شَرَفٍ وَلَا مَالٍ

وَقِطْعَانًا بَرْبَرِيَّةً تَثْغُو مُكْرَهَةً عَبْرَ المَآسِي

هَكَذَا تَحْكِي الشِّفَاهُ الغَلِيظَةُ يَا لَيْلَى

أَنْتِ لَا تَعْرِفِينَهَا وَلَمْ تَشُمِّي رَائِحَتَهَا القَوِيَّةَ السَّافِلَةَ

سَأُحَدِّثُكِ عَنْهَا بِبَسَاطَةٍ وَصِدْقٍ وَارْتِيَاحٍ

لَكِنْ أَلَّا تَكُونِي خَائِنَةً يَا عُطُورَ قَلْبِي المِسْكِينِ

فَالحِبْرُ يَلْتَهِبُ، وَالوَصْمَةُ تَرْفُرِفُ عَلَى الجِلْدِ

غُرْفَتِي مُطْفَأَةٌ بَيْنَ الجِبَالِ،

القَطِيعُ يَرْفَعُ قَوَائِمَهُ الحَافِيَةَ،

وَالأَوْرَاقُ المُبَعْثَرَةُ، تَنْتَظِرُ عَنْدَلِيبَهَا،

وَنَدْلِفُ وَرَاءَ بَعْضِنَا إِلَى المَغْسَلَةِ

كَجُذُوعِ الأَشْجَارِ يَجِبُ أَنْ نَكُونَ،

جَوَامِيسُ تَتَأَمَّلُ أَظْلَافَهَا حَتَّى يُفَرْقِعَ السَّوْطُ

نَمْشِي وَنَحْنُ نِيَامٌ،

غُفَاةٌ عَلَى البَلَاطِ المَكْسُوِّ بِالبُصَاقِ وَالمَحَارِمِ

وَنَرْقُدُ ثَانِيَةً عَلَى بُطُونِنَا المَضْرُوبَةِ بِالسِّيَاطِ

وَنَشْرَبُ الشَّايَ القَاحِلَ فِي هُدُوءٍ لَعِينٍ.

وَتَمْضِي ذُبَابَةُ الوُجُودِ، تَخْفِقُ عَلَى طَرَفِ الحَنْجَرَةِ

كُنَّا كَنْزًا عَظِيمًا، وَمَنَاهِلَ سَخِيَّةً، بِالدَّهْنِ وَالبَغْضَاءِ،

نَتَشَاجَرُ فِي المَرَاحِيضِ

وَنَتَعَانَقُ كَالْعُشَّاقِ

أَعْطِنِي فَمَكَ الصَّغِيرَ يَا لَيْلَى،

أَعْطِنِي الحَلَمَةَ وَالمُدْيَةَ، إِنَّنَا نَجْثُو،

نَتَحَدَّثُ عَنْ أَشْيَاءَ تَافِهَةٍ، وَأُخْرَى عَظِيمَةٍ

كَالسَّلَاسِلِ الَّتِي تَصِرُّ وَرَاءَ الأَبْوَابِ.

مُوصَدَةٌ، مُوصَدَةٌ، أَبَدًا هَذِهِ الأَبْوَابُ الخَضْرَاءُ،

المُنْتَعِشَةُ بِالقَذَارَةِ، مَكْرُوهَةٌ صَلْدَةٌ،

مِنْ غَمَامَاتِ الشَّوْقِ النَّاحِبَةِ أَمَامَهَا،

نَتَثَاءَبُ وَنَتَقَيَّأُ، وَنَنْظُرُ كَالدَّجَاجِ إِلَى الأُفُقِ،

لَقَدْ مَاتَ الحَنَانُ،

وَذَابَتِ الشَّفَقَةُ مِنْ بُؤْبُؤِ الوَحْشِ الإِنْسَانِيِّ،

القَابِعِ وَرَاءَ الزَّرِيبَةِ، يَأْكُلُ وَيَأْكُلُ،

وَعَلَى الشَّفَةِ السُّفْلَى المُتَدَلِّيَةِ، آثَارُ مَأْسَاةٍ تَلُوحُ.

أُمِّي، وَأَبِي، وَالبُكَاءُ الخَائِفُ، آهِ مَا أَتْعَسَنِي

إِلَى الجَحِيمِ أَيُّهَا الوَطَنُ السَّاكِنُ فِي قَلْبِي

مُنْذُ أَجْيَالٍ لَمْ أَرَ زَهْرَةً.

اللَّيَالِي طَوِيلَةٌ، وَالشِّتَاءُ كَالجَمْرِ

يَوْمٌ وَاحِدٌ، وَهَزِيمَةٌ وَاحِدَةٌ لِلشَّعْبِ الأَصْفَرِ الهَزِيلِ

إِنَّنِي أَلْمَسُ لِحْيَتِي المُدَبَّبَةَ،

أَحْلُمُ بِرَاحَةِ الأَرْضِ وَسُطُوحِ المَنَازِلِ

بِفَتَاةٍ مُرَاهِقَةٍ أَلْعَقُهَا بِلِسَانِي

السَّمَاءُ زَرْقَاءُ، وَاليَدُ المَكْسُوَّةُ بِالشَّعْرِ البُرُونْزِيِّ

تَلْمَسُ صَفْحَةَ القَلْبِ،

الشِّفَاهُ الغَلِيظَةُ تُفْرِزُ الأَسْمَاءَ

وَأَنَا مُسْتَلْقٍ عَلَى ظَهْرِي، لَا أَحَدَ يَزُورُنِي

أُثَرْثِرُ كَالأَرْمَلَةِ، عَنِ الحَرْبِ وَالأَفْلَامِ الخَلِيعَةِ وَنُكْرَانِ الذَّاتِ

وَالخَفِيرُ المُطَهَّمُ، يَتَأَمَّلُ قَدَمَيَّ الحَافِيَتَيْنِ

وَقَفْتُ وَرَاءَ الأَسْوَارِ يَا لَيْلَى

أَتَصَاعَدُ وَأَرْتَمِي كَأَنَّنِي أَجْلِسُ عَلَى نَابِضٍ

وَقَلْبِي مُفْعَمٌ بِالضَّبَابِ وَرَائِحَةِ الأَطْفَالِ المَوْتَى

إِنَّ أَعْلَامَنَا مَا زَالَتْ تَحْتَرِقُ فِي الشَّوَارِعِ

مُتَهَدِّلَةً فِي السَّاحَاتِ الضَّارِبَةِ إِلَى الحُمْرَةِ

كُنْتُ أَتَسَاقَطُ وَأَحْلُمُ بِعَيْنَيْكِ الجَمِيلَتَيْنِ

بِقُمْصَانِكِ الشَّفَّافَةِ، وَالهَجِيرِ الضَّائِعِ فِي قُبْلَاتِكِ الأَخِيرَةِ،

مَرْحَبًا بِكِ، بِفَمِكِ الغَامِقِ كَالجُرْحِ

بِالشَّامَةِ الحَزِينَةِ عَلَى فَتْحَةِ الصَّدْرِ

أَنَا عَبْدٌ لَكِ يَا حَبِيبَةُ،

تُرَى كَيْفَ يَبْدُو المَطَرُ بَيْنَ الجِبَالِ؟؟

ابْتَعِدِي كَالهَوَاءِ يَا لَيْلَى،

يَجِبُ أَلَّا تَلْتَقِيَ العُيُونُ، هَرَمُ الانْحِطَاطِ نَحْنُ نَرْفَعُهُ

نَحْنُ نَشُكُّ رَايَةَ الظُّلْمِ فِي حَلَقَاتِ السَّلَاسِلِ.

بِاللَّهِ لَا تَعُودِي، شَيْءٌ يُمَزِّقُنِي أَنْ أَرَاهُمْ

يَلْمِسُونَكِ بِغِلْظَةٍ، أَنْ يَشْتَهُوكِ يَا لَيْلَى.

سَأَقْتُلُ نَفْسِي إِذْ ذَاكَ،

سَأَلْكُمُ الحَدِيدَ وَالجِبَاهَ الدَّنِيئَةَ، سَأَصْرُخُ كَالطِّفْلِ

سَأَصِيحُ كَالبَغِيِّ،

عَيْنَاكِ لِي مُنْذُ الطُّفُولَةِ، تَأْسِرَانِنِي حَتَّى المَوْتِ

انْطَفَأَ الحُلْمُ، وَالصَّقْرُ مُطَارَدٌ فِي غَابَتِهِ

لَا شَيْءَ يُذْكَرُ،

إِنَّنَا نَبْتَسِمُ وَأَهْدَابُنَا قَاتِمَةٌ كَالفَحْمِ

هَجَعْتُ أَبْكِي وَأَتَوَسَّلُ لِلْأَرْضِ المَيِّتَةِ بِخُشُوعٍ

أَوَّاهُ لِمَ زُرْتِنِي يَا لَيْلَى؟ وَأَنْتِ أَشَدُّ فِتْنَةً مِنْ نَجْمَةِ الشِّمَالِ

وَأَحْلَى رِوَاءً مِنْ عَنَاقِيدِ العَسَلِ،

لَا تَكْتُبِي شَيْئًا، سَأَمُوتُ بَعْدَ أَيَّامٍ،

القَلْبُ يَخْفِقُ كَالمِحْرَمَةِ،

وَلَا تَزَالُ تُشْرِقُ الشَّمْسُ، كَبِيرَةً لَامِعَةً، هَكَذَا نَتَخَيَّلُ،

إِنَّنَا لَا نَرَاهَا

وَعَلَى حَافَةِ البَابِ الخَارِجِيِّ سَاقِيَةٌ مِنَ العُشْبِ الصَّغِيرِ الأَخْضَرِ

تَسْتَحِمُّ فِي الضَّوْءِ

وَثَمَّةَ أَحْذِيَةٌ بَرَّاقَةٌ تَنْتَقِلُ عَلَى رُؤُوسِ الأَزْهَارِ

كَانَتْ لَامِعَةً وَتَحْمِلُ مَعَهَا رَائِحَةَ الشَّارِعِ وَدُورِ السِّينَمَا،

كَانَتْ تَدُوسُ بِحُرِّيَّةٍ،

وَوَرَاءَ البَابِ الثَّالِثِ، يَقُومُ جِدَارٌ مِنَ الوَهْمِ وَالدُّمُوعِ

جِدَارٌ تَنْزَلِقُ مِنْ خِلَالِهِ رَائِحَةُ الشَّرْقِ،

الشَّرْقِ الذَّلِيلِ الضَّاوِي فِي المُسْتَنْقَعَاتِ.

آهِ، إِنَّ رَائِحَتَنَا كَرِيهَةٌ، إِنَّنَا مِنَ الشَّرْقِ،

مِنْ ذَلِكَ الفُؤَادِ الضَّعِيفِ البَارِدِ

إِنَّنَا فِي قَيْلُولَةٍ مُفْزِعَةٍ يَا لَيْلَى.

لَقَدْ كَرِهْتُ العَالَمَ دَفْعَةً وَاحِدَةً،

هَذَا النَّسِيجَ الحَشَرِيَّ الفَتَّاكِ

وَأَنَا أَسِيرُ أَمَامَ الرُّؤُوسِ المُطْرِقَةِ مُنْذُ شُهُورٍ

وَالعُيُونِ المُبَلَّلَةِ مُنْذُ بَدْءِ التَّارِخِ.

مَاذَا تُثِيرُ بِي؟؟ لَا شَيْءَ

إِنَّنِي رَجُلٌ مِنَ الصَّفِيحِ

أُغْنِيَةٌ ثَقِيلَةٌ حَادَّةٌ، كَالمِيَاهِ الدَّافِقَةِ

كَالصَّهِيلِ المُتَمَرِّدِ عَلَى الهَضْبَةِ

هَضْبَةٍ صَفْرَاءَ مَيِّتَةٍ، تُشْرِقُ بِالأَلَمِ وَالفُولَاذِ

فِيهَا أَكْثَرُ مِنْ أَلْفِ خَفْقَةٍ جُنُونِيَّةٍ تَنْتَحِبُ عَلَى العَتَبَاتِ وَالنَّوَافِذِ،

تَلْتَصِقُ بِأَجْنِحَةِ العَصَافِيرِ

لِتَنْقُلَ صَرْخَةَ الأَسْرَى وَهَيَاجَ المَاشِيَةِ

مِنْ نَافِذَةِ قَصْرِكِ اليَابِسَةِ، تَرَيْنَهَا يَا لَيْلَى

مُرْعِبَةً سَوْدَاءَ فِي مُنْتَصَفِ اللَّيْلِ،

وَمِئَاتُ الأَحْضَانِ المَهْجُورَةِ تَدْعُو لِفَنَائِهَا

وَسُقُوطِ هَامَتِهَا،

وَرَدْمِهَا بِالقَشِّ وَالتُّرَابِ وَالمَكَانِسِ

حَتَّى لَوْ قُدِّرَ لِلدُّمُوعِ الحَبِيسَةِ بَيْنَ الصَّحْرَاءِ وَالبَحْرِ

أَنْ تَهْدِرَ، أَنْ تَمْشِيَ عَلَى الحَصَى،

لَأَزَالَتْهَا تِلْكَ الحَشَرَةُ الدَّاخِلَةُ فِي القَلْبِ

بِالظُّلْمِ وَالنُّعَاسِ سَيَتَلَاشَى كُلُّ شَيْءٍ

بِالأَنْفَاسِ الكَرِيهَةِ،

وَالأَجْسَادِ المُنْطَوِيَةِ كَالحَلَزُونَاتِ

بِقُوَى الأَوْبَاشِ النَّائِمَةِ بَيْنَ المَرَاحِيضِ

سَنَبْنِي جَنِينَةً لِلْأَطْفَالِ، وَبُيُوتًا نَظِيفَةً

لِلْمُتَسَكِّعِينَ وَمَاسِحِي الأَحْذِيَةِ

أَتَى اللَّيْلُ فِي مُنْتَصَفِ أَيَّارَ

كَطَعْنَةٍ فُجَائِيَّةٍ فِي القَلْبِ

كَمَرِيضٍ سُجِّيَ عَلَى مَشْرَحَةٍ

لَمْ نَتَحَرَّكْ تِلْكَ اللَّيْلَةَ،

شِفَاهُنَا مُطْبَقَةٌ عَلَى لَحْنِ الرُّجُولَةِ المُتَقَهْقِرِ.

فِي المَقْصُورَاتِ الدَّاخِلِيَّةِ

ثَمَّةَ عَوِيلٌ يَخْتَنِقُ، ثَمَّةَ بَسَالَةٌ مُضْحِكَةٌ فِي قَبْضَةِ السَّوْطِ

الأَنْوَارُ مُطْفَأَةٌ لِمَاذَا،

القَمَرُ يَذْهَبُ إِلَى حُجْرَتِهِ،

وَشَقَائِقُ النُّعْمَانِ تَحْتَرِقُ عَلَى الإِسْفَلْتِ

قَشٌّ يَلْتَهِبُ فِي المَمَرَّاتِ،

وَصَرِيرُ الحَطَبِ يَئِنُّ فِي زَوَايَا خَفِيَّةٍ،

آلَافُ العُيُونِ الصَّفْرَاءِ،

تُفَتِّشُ بَيْنَ السَّاعَاتِ المُرْعِبَةِ العَاقَّةِ

عَنْ عَاهِرٍ اسْمُهَا الإِنْسَانِيَّةُ

وَالرُّؤُوسُ البَيْضَاءُ، مَلِيئَةٌ بِالأَخَادِيدِ

يَا رَبِّ تُشْرِقُ الشَّمْسُ، يَا إِلَهِي يَطْلُعُ النَّجْمُ

دَعْهُ يُغَنِّي لَنَا، إِنَّنَا تُعَسَاءُ، عَذِّبْنَا مَا اسْتَطَعْتَ

القَمْلُ فِي حَوَاجِبِنَا

وَأَنْتِ يَا لَيْلَى، لَا تَنْظُرِي فِي المِرْآةِ كَثِيرًا

أَعْرِفُكِ شَهِيَّةً وَنَاضِجَةً،

كُونِي عَاقِلَةً وَإِلَّا قَتَلْتُكِ يَا حَبِيبَةُ

لِتُشْرِقَ الشَّمْسُ،

لِتَسْطَعَ فِي إِلْيَةِ العِمْلَاقِ

الحُدَأَةُ فَوْقَ الجَبَلِ، وَالنَّسِيمُ أَمَامَ النَّوَافِذِ

أَنْشِدْ جَيِّدًا بَيْنَ اليَنَابِيعِ،

الغُرْبَةُ سَوْدَاءُ، وَالغُرَابُ عَلَى الوِسَادَةِ

كَانَتْ لَهَا رَائِحَةٌ خَاصَّةٌ، وَطَعْمٌ جِيفِيٌّ حَارٌّ

دَعْهُ، مَلَايِينُ الإِبَرِ تَسْبَحُ فِي اللَّحْمِ .

أَيْنَ كُنْتَ يَوْمَ الحَادِثَةِ؟؟

كُنْتُ أُلَاحِقُ امْرَأَةً فِي الطَّرِيقِ يَا سَيِّدِي

طَوِيلَةً سَمْرَاءَ، وَذَاتَ عَجِيزَةٍ مُدَمْلَجَةٍ،

إِنَّنِي الوَحِيدُ الَّذِي يَمُرُّ فِي الشَّارِعِ دُونَ أَنْ يُحَيِّيهِ أَحَدٌ

دَعْنِي، لَا أَعْرِفُ شَيْئًا، أَبِي مَاتَ مُنْذُ يَوْمَيْنِ،

أَطْلِقْ سَرَاحِي يَا سَيِّدِي، ذَاكِرَتِي ضَعِيفَةٌ

وَأَعْصَابِي كَالمَسَامِيرِ .

أَنَا مُغْرَمٌ بِالكَسَلِ،

بِعِدَّةِ نِسَاءٍ عَلَى فِرَاشٍ وَاحِدٍ

الجَرِيمَةُ تَعْدُو كَالمُهْرِ البَرِّيِّ،

وَأَنَا مَا زِلْتُ أَلْعَقُ الدَّمَ المُتَجَمِّدَ عَلَى الشَّفَةِ العُلْيَا

مَالِحًا كَانَ، مِنْ عُيُونِي يَسِيلُ

مِنْ عُيُونِ أُمِّي يَسِيلُ، سَطِّحُوهُ عَلَى الأَرْضِ،

الأَشْرِعَةُ تَتَسَاقَطُ كَالبَلَحِ،

لَقَدْ فَاتَ الأَوَانُ

إِنَّنِي عَلَى الأَرْضِ مُنْذُ أَجْيَالٍ

أَتَجَوَّلُ بَيْنَ الوُحُوشِ وَالأَسْنَانِ المُحَطَّمَةِ

أَضْرِبُهُ عَلَى صَدْرِهِ، إِنَّهُ كَالثَّوْرِ

سَفَلَةٌ، دَعْنِي آكُلْ مِنْ لَحْمِهِ،

بِشِدَّةٍ كَانَ الأَلَمُ يَتَّجِهُ فِي ذِرَاعِي

بِشِدَّةٍ، بِشِدَّةٍ نَحْنُ عَبِيدٌ يَا لَيْلَى

كُنْتُ فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ،

أَذُوقُ طَعْمَ الضَّجِيجِ الإِنْسَانِيِّ فِي أَقْسَى مَرَاحِلِهِ

مِئَاتُ السِّيَاطِ وَالأَقْدَامِ اليَابِسَةِ

انْهَمَرَتْ عَلَى جَسَدِي اللَّاهِثِ

وَذِرَاعِي المُمَدَّدَةِ كَالحَبْلِ

كُنْتُ لَا أُمَيِّزُ أَيَّ وَجْهٍ مِنْ تِلْكَ الوُجُوهِ

الَّتِي نُصَادِفُهَا فِي السُّوقِ وَالبَاصَاتِ وَالمُظَاهَرَاتِ

وُجُوهٌ مُتَعَطِّشَةٌ نَشْوَى.

عَلَى الصَّدْرِ وَالقَلْبِ كَانَ غَزَالُ الرُّعْبِ يَمْشِي

بُحَيْرَةٌ لِلتَّمَاسِيحِ الَّتِي تَمُرُّ بِمَرْحَلَةِ مَجَاعَةٍ،

مَجَاعَةٌ تَزْدَرِدُ حَتَّى الفَضِيلَةَ وَالشُّعُورَ الإِلَهِيَّ المُسَوَّسَ

لَقَدْ فَقَدْنَا حَاسَّةَ الشَّرَفِ، أَمَامَ الأَقْدَامِ العَارِيَةِ،

وَالثِّيَابِ المُشَقَّقَةِ،

أَمَامَ السِّيَاطِ الَّتِي تُرْضِعُ مِنْ لَحْمِ طِفْلَةٍ بِعُمْرِ الوَرْدِ

تُجْلَدُ عَارِيَةً أَمَامَ سَيِّدِي القَاضِي،

وَعِدَّةِ رِجَالٍ تَرْشَحُ مِنْ عُيُونِهِمْ نَتَانَةُ الشَّبَقِ،

وَالهَيَاجِ الجِنْسِيِّ،

وُجُوهٌ طَوِيلَةٌ، كَقُضْبَانِ الحَدِيدِ

تَرَكَتْنِي وَحِيدًا فِي غُرْفَةٍ مُقْفَلَةٍ، أَمْضَغُ دَمِي

وَأَبْحَثُ عَنْ حِقْدٍ عَمِيقٍ لِلذِّكْرَى .

النَّجِيعُ يُنْشِدُ عَلَى طَرَفِ اللِّسَانِ

وَالغُرَابُ يَنْهَضُ إِلَى عُشِّهِ،

الأَلَمُ يَتَجَوَّلُ فِي شَتَّى الأَنْحَاءِ

وَالمَغِيصُ يَرْتَفِعُ كَالمَوْجِ، حَتَّى الهَضْبَةِ،

كَادَتْ تَنْسَحِبُ مِنْ هَذَا النِّضَالِ الوَحْشِيِّ،

مِنْ هَذَا المَغِيصِ المُرَوِّعِ،

رَأْسِي عَلَى حَافَةِ النَّافُورَةِ،

وَمَاؤُهَا الفِضِّيُّ يَسِيلُ حَزِينًا عَلَى الجَوَانِبِ

مِنْ وَرَاءِ المِيَاهِ وَالمَرْمَرِ

يَلُوحُ شَعْرُ قَاسْيُونَ المُتَطَايِرُ مَعَ الهَوَاءِ

وَغَمَامَةٌ مِنَ المَقَاهِي،

وَالحَانَاتِ المَغْرُورَقَةِ بِالسُّكَارَى

تَلُوحُ بِنُعُومَةٍ وَرِفْقٍ، عَبْرَ السُّهُولِ المُطَأْطِئَةِ الجِبَاهِ،

لَمْ يَعُدْ يُورِقُ الزَّيْتُونُ، وَلَمْ تَدُرْ المَعَاصِرُ

كُلُّهُمْ أَذِلَّاءُ،

وَأَضْلَاعِي تَلْتَهِبُ قُرْبَ البُحَيْرَةِ،

إِنَّهَا تَسْقِي الزُّهُورَ، أَنَا عَطْشَانُ يَا سَيِّدِي

فِي أَحْشَائِي صَحْرَاءُ،

أَنْقِذْنِي يَا قَمَرَ أَيَّارَ الحَزِينِ .

اسْتَيْقِظِي أَيَّتُهَا المَدِينَةُ المُنْخَفِضَةُ

فِتْيَانُكِ مَرْضَى، نِسَاؤُكِ يُجْهِضْنَ عَلَى الأَرْصِفَةِ

النَّهْدُ نَافِرٌ كَالسِّكِّينِ،

أَعْطِنِي فَمَكِ، أَيَّتُهَا المُتَبَرِّجَةُ الَّتِي تَلْبَسُ خُوذَةً

بَرْدَى الَّذِي كَانَ يَنْسَابُ كَسَهْلٍ مِنَ الزَّنْبَقِ البِلَّوْرِيِّ

لَمْ يَعُدْ يَضْحَكُ كَمَا كَانَ،

لَمْ أَعُدْ أَسْمَعُ بَائِعَ الصُّحُفِ الشَّابَّ يُنَادِي

عِنْدَ مَوَاقِفِ البَاصَاتِ،

الحُرِّيَّةُ مَنْقُوشَةٌ عَلَى الظَّهْرِ

وَاللِّجَامُ مَلِيءٌ بِالحُمُوضَةِ

ضَعْ قَدَمَكَ الحَجَرِيَّةَ عَلَى قَلْبِي يَا سَيِّدِي

الرِّيحُ تَعْوِي عَلَى جَلِيدِ المَعَسْكَرَاتِ

وَثَمَّةَ رَجُلٌ هَزِيلٌ يَرْفَعُ يَاقَتَهُ،

يَشْرَبُ القَهْوَةَ، وَيَبْكِي كَامْرَأَةٍ فَقَدَتْ رَضِيعَهَا

دَعِ الهَوَاءَ الغَرِيبَ يَكْنُسُ أَقْوَاسَ النَّصْرِ

وَشَالَاتِ الشُّيُوخِ وَالرَّاقِصَاتِ

إِنَّهُمْ مَوْتَى، حَاجِزٌ مِنَ الأَرَقِ وَالأَحْضَانِ المَهْجُورَةِ

يَنْبُتُ أَمَامَ الخَرَائِبِ وَالثِّيَابِ الحَمْرَاءِ،

فَإِنَّ ذِئَابَ القُرُونِ العَائِدَةِ بِلَا شَارَاتٍ وَلَا أَوْسِمَةٍ

تَشُقُّ طَرِيقَهَا دَاخِلَ الدَّمِ

تَمُوتُ عَلَى الرِّمَالِ البَهِيجَةِ الحَارَّةِ

لَا شَيْءَ يُذْكَرُ، الأَرْضُ حَمْرَاءُ،

وَالعَصَافِيرُ تُكَسِّرُ مَنَاقِيرَهَا عَلَى رُخَامِ القَصْرِ

وَدَاعًا وَدَاعًا إِخْوَتِي الصِّغَارَ

أَنَا رَاحِلٌ وَقَلْبِي رَاجِعٌ مَعَ دُخَانِ القِطَارِ .

```

خاتمة: إرث لا يزول

رحل محمد الماغوط بجسده، لكن روحه الشعرية ظلت حية في كل كلمة كتبها، وفي كل صرخة أطلقها. لقد كان شاعرًا استثنائيًا، امتلك القدرة على تحويل الألم إلى فن، والغضب إلى جمال، والسخرية إلى أداة للتغيير. ترك الماغوط إرثًا أدبيًا غنيًا ومتنوعًا، يضم دواوين شعرية، ومسرحيات، ومقالات، وسيناريوهات، كلها تحمل بصمته الفريدة وأسلوبه الذي لا يُضاهى. يظل الماغوط رمزًا للشاعر المتمرد، الذي رفض الانصياع للقيود، وكسر القوالب التقليدية، ليفتح آفاقًا جديدة للشعر العربي. إن قراءة أعماله ليست مجرد متعة أدبية، بل هي رحلة في أعماق النفس البشرية، وفهم أعمق للواقع العربي، ودعوة للتأمل في معنى الحرية والكرامة. سيبقى محمد الماغوط، شاعر الغضب والحزن الجميل، خالدًا في ذاكرة الأدب العربي، منارة تضيء دروب الأجيال القادمة.