مقدمة أدبية
في سماء الأدب العربي، تتلألأ نجومٌ خلدها التاريخ بمدادٍ من نور، وخطّت أسماءها في سجل الخالدين بأحرفٍ من ذهب. ومن بين هذه الكواكب الساطعة، يبرز اسمٌ شامخٌ، يتردد صداه في أرجاء الضاد، ويُلهب الوجدان بجمال بيانه وعمق معانيه: إنه محمد مهدي الجواهري، شاعر العراق الأكبر، وعملاق الشعر العربي الحديث. فما سر هذا الشاعر الذي أسر القلوب، وألهب المشاعر، وترك بصمةً لا تُمحى في ذاكرة الأمة؟ وما هي ملامح عبقريته التي جعلت منه قامةً أدبيةً لا تُضاهى؟
سيرة موثقة
وُلد محمد مهدي الجواهري في مدينة النجف الأشرف بالعراق في 26 يوليو 1899م، وتوفي في 27 يوليو 1997م في دمشق، سوريا، عن عمر ناهز الثامنة والتسعين عامًا [1]. نشأ الجواهري في بيئةٍ علميةٍ وأدبيةٍ عريقة، فكانت النجف آنذاك مركزًا دينيًا وثقافيًا مزدهرًا. تلقى الجواهري تعليمه الأولي في النجف، ودرس علوم اللغة العربية وحفظ الكثير من الشعر القديم والحديث، متأثرًا بشكل خاص بشعر المتنبي [1].
لم يقتصر نشاط الجواهري على الشعر فحسب، بل امتد ليشمل التعليم والصحافة. فقد عمل معلمًا في فتراتٍ من حياته، وأصدر عددًا من الصحف، منها «الفرات»، ثم «الانقلاب»، ثم «الرأي العام» [1]. وقد عاصر الجواهري أحداثًا سياسيةً واجتماعيةً جسامًا في العراق والوطن العربي، وتفاعل معها بشعره الذي كان مرآةً صادقةً لآمال الأمة وآلامها. عُرف الجواهري بمواقفه الوطنية والقومية، ودفاعه عن قضايا العدل والحرية، مما عرضه للاضطهاد والنفي في فتراتٍ مختلفة من حياته [1].
تُعد عائلة الجواهري من الأسر العريقة في النجف، وقد ورد في بعض المصادر أن أصولها تعود إلى أصفهان في إيران، إلا أن الجواهري عراقي الجنسية والهوية، وقد أكد شعره انتماءه العميق للعراق والأمة العربية [2] [3].
أبرز القصائد مشكّلة
تميز شعر الجواهري بمتانة السبك، ووضوح المعنى، وقوة الأسلوب، مع التزامه بعمود الشعر التقليدي. وقد تناول في قصائده موضوعاتٍ متنوعة، تراوحت بين المناسبات السياسية والتجارب الشخصية، وظهرت فيها ثورته على التقاليد والأوضاع الفاسدة [1]. ومن أشهر قصائده التي خلدها التاريخ:
1. يا دجلة الخير
تُعد قصيدة يا دجلة الخير من أشهر قصائد الجواهري، نظمها في شتاء عام 1962م حين كان مغترباً في تشيكوسلوفاكيا، وتُعتبر أيقونة في الشعر العراقي الحديث، حيث يخاطب فيها نهر دجلة كرمز للوطن والحضارة والذكريات، ويمزج بين الحنين والغربة والألم [4].
```
يا دجلةَ الخيرِ، يا أُمَّ البساتينِ
حييتُ سفحَك ظمآناً ألوذُ به
لوذَ الحمائمِ بين الماءِ والطين
يا دجلةَ الخيرِ يا نبعاً أفارقُهُ
على الكراهةِ بين الحِينِ والحين
يا دجلة الخير: ما يُغليكِ من حنَقٍ
يُغلي فؤادي، وما يُشجيكِ يشجيني
يا دجلة الخير: كم مِنْ كنز موهِبةٍ
لديك في «القُمقُم» المسحورِ مخزون
يا دجلةَ الخير: خلِّيني وما قَسَمَتْ
لي المقاديرُ من لدغ الثعابين
يا دجلةَ الخير: شكوى أمْرُها عجبٌ
إنّ الذي جئت أشكو منه يشكوني
يا دجلةَ الخير: هل أبصرتِ بارقةً
ألقت بلمحٍ على شطَّيكِ مظنون؟
يا نازحَ الدارِ ناغِ العُودَ ثانيةً
وجُسَّ أوتارُه بالرِفْقِ واللين
يا صاحبيَّ إذا أبصرت طيفَكما
يمشي إليِّ على مَهلٍ يحييني
```
2. عينية الجواهري
تُعد قصيدة عينية الجواهري، التي قيلت في رثاء الإمام الحسين (عليه السلام)، من أروع القصائد التي خلدها التاريخ، وتُعرف بمتانة أسلوبها وقوة تعبيرها. وقد كتب الجواهري هذه القصيدة بماء الذهب، وتُعتبر من عيون الشعر العربي الحديث [5].
```
فِدَاءً لمثواكَ من مَضْجَعِ
تَنَوَّرَ بالأبلَجِ الأروَعِ
بأعبقَ من نَفحاتِ الجِنانِ
رُوْحَاً ومن مِسْكِها أَضْوَعِ
وَرَعْيَاً ليومِكَ يومِ "الطُّفوف"
وسَقْيَاً لأرضِكَ مِن مَصْرَعِ
وحُزْناً عليكَ بِحَبْسِ النفوس
على نَهْجِكَ النَّيِّرِ المَهْيَعِ
وصَوْنَاً لمجدِكَ مِنْ أَنْ يُذَال
بما أنتَ تأباهُ مِنْ مُبْدَعِ
فيا أيُّها الوِتْرُ في الخالدِينَ
فَذَّاً ، إلى الآنَ لم يُشْفَعِ
ويا عِظَةَ الطامحينَ العِظامِ
للاهينَ عن غَدِهِمْ قُنَّعِ
تعاليتَ من مُفْزِعٍ للحُتوفِ
وبُورِكَ قبرُكَ من مَفْزَعِ
تلوذُ الدُّهورُ فَمِنْ سُجَّدٍ
على جانبيه ومن رُكَّعِ
شَمَمْتُ ثَرَاكَ فَهَبَّ النَّسِيمُ
نَسِيمُ الكَرَامَةِ مِنْ بَلْقَعِ
وعَفَّرْتُ خَدِّي بحيثُ استراحَ
خَدٌّ تَفَرَّى ولم يَضْرَعِ
وحيثُ سنابِكُ خيلِ الطُّغَاةِ
جالتْ عليهِ ولم يَخْشَعِ
وَخِلْتُ وقد طارتِ الذكرياتُ
بِروحي إلى عَالَمٍ أرْفَعِ
وطُفْتُ بقبرِكَ طَوْفَ الخَيَالِ
بصومعةِ المُلْهَمِ المُبْدِعِ
كأنَّ يَدَاً مِنْ وَرَاءِ الضَّرِيحِ
حمراءَ " مَبْتُورَةَ الإصْبَعِ"
تَمُدُّ إلى عَالَمٍ بالخُنُوعِ
وَالضَّيْمِ ذي شَرَقٍ مُتْرَعِ
تَخَبَّطَ في غابةٍ أطْبَقَتْ
على مُذْئِبٍ منه أو مُسْبِعِ
لِتُبْدِلَ منهُ جَدِيبَ الضَّمِيرِ
بآخَرَ مُعْشَوْشِبٍ مُمْرِعِ
وتدفعَ هذي النفوسَ الصغارَ
خوفاً إلى حَرَمٍ أَمْنَعِ
تعاليتَ من صاعِقٍ يلتظي
فَإنْ تَدْجُ داجِيَةٌ يَلْمَعِ
تأرّمُ حِقداً على الصاعقاتِ
لم تُنْءِ ضَيْراً ولم تَنْفَعِ
ولم تَبْذُرِ الحَبَّ إثرَ الهشيمِ
وقد حَرَّقَتْهُ ولم تَزْرَعِ
ولم تُخْلِ أبراجَها في السماء
ولم تأتِ أرضاً ولم تُدْقِعِ
ولم تَقْطَعِ الشَّرَّ من جِذْمِهِ
وغِلَّ الضمائرِ لم تَنْزعِ
ولم تَصْدِمِ الناسَ فيما هُمُ
عليهِ مِنَ الخُلُقِ الأوْضَعِ
تعاليتَ من "فَلَكٍ" قُطْرُهُ
يَدُورُ على المِحْوَرِ الأوْسَعِ
فيابنَ البتولِ وحَسْبِي بِهَا
ضَمَاناً على كُلِّ ما أَدَّعِي
ويابنَ التي لم يَضَعْ مِثْلُها
كمِثْلِكِ حَمْلاً ولم تُرْضِعِ
ويابنَ البَطِينِ بلا بِطْنَةٍ
ويابنَ الفتى الحاسرِ الأنْزَعِ
ويا غُصْنَ "هاشِمَ" لم يَنْفَتِحْ
بأزْهَرَ منكَ ولم يُفْرِعِ
ويا واصِلاً من نشيدِ الخُلود
خِتَامَ القصيدةِ بالمَطْلَعِ
يَسِيرُ الوَرَى بركابِ الزمانِ
مِنْ مُسْتَقِيمٍ ومن أظْلَعِ
وأنتَ تُسَيِّرُ رَكْبَ الخلودِ
ما تَسْتَجِدُّ لهُ يَتْبَعِ
تَمَثَّلْتُ يومَكَ في خاطرِي
ورَدَّدْتُ صوتَكَ في مَسْمَعِي
وَمَحَّصْتُ أمْرَكَ لم أرْتَهِبْ
بِنَقْلِ " الرُّوَاةِ " ولم أُُخْدَعِ
وقُلْتُ: لعلَّ دَوِيَّ السنين
بأصداءِ حادثِكَ المُفْجِعِ
وَمَا رَتَّلَ المُخْلِصُونَ الدُّعَاةُ
من " مُرْسِلِينَ " ومنْ "سُجَّعِ"
ومِنْ "ناثراتٍ" عليكَ المساءَ
والصُّبْحَ بالشَّعْرِ والأدْمُعِ
لعلَّ السياسةَ فيما جَنَتْ
على لاصِقٍ بِكَ أو مُدَّعِي
وتشريدَهَا كُلَّ مَنْ يَدَّلِي
بِحَبْلٍ لأهْلِيكَ أو مَقْطَعِ
لعلَّ لِذاكَ و"كَوْنِ" الشَّجِيّ
وَلُوعَاً بكُلِّ شَجٍ مُوْلعِ
يداً في اصطباغِ حديثِ الحُسَيْن
بلونٍ أُُرِيدَ لَهُ مُمْتِعِ
وكانتْ وَلَمّا تَزَلْ بَرْزَةً
يدُ الواثِقِ المُلْجَأ الألمعي
صَناعَاً متى ما تُرِدْ خُطَّةً
وكيفَ ومهما تُرِدْ تَصْنَعِ
ولما أَزَحْتُ طِلاءَ القُرُونِ
وسِتْرَ الخِدَاعِ عَنِ المخْدَعِ
أريدُ "الحقيقةَ" في ذاتِهَا
بغيرِ الطبيعةِ لم تُطْبَعِ
وجَدْتُكَ في صورةٍ لم أُرَعْ
بِأَعْظَمَ منها ولا أرْوَعِ
وماذا! أأرْوَعُ مِنْ أنْ يَكُون
لَحْمُكَ وَقْفَاً على المِبْضَعِ
وأنْ تَتَّقِي دونَ ما تَرْتَئِي
ضميرَكَ بالأُسَّلِ الشُّرَّعِ
وأن تُطْعِمَ الموتَ خيرَ البنينَ
مِنَ "الأَكْهَلِينَ" إلى الرُّضَّعِ
وخيرَ بني "الأمِّ" مِن هاشِمٍ
وخيرَ بني " الأب " مِنْ تُبَّعِ
وخيرَ الصِّحابِ بخيرِ الصُّدُورِ
كَانُوا وِقَاءَكُ ، والأذْرَعِ
وقَدَّسْتُ ذِكراكَ لم انتحِلْ
ثِيَابَ التُّقَاةِ ولم أَدَّعِ
تَقَحَّمْتَ صَدْرِي ورَيْبُ الشُّكُوكِ
يِضِجُّ بِجُدْرَانِهِ الأَرْبَعِ
وَرَانَ سَحَابٌ صَفِيقُ الحِجَاب
عَلَيَّ مِنَ القَلَقِ المُفْزِعِ
وَهَبَّتْ رِياحٌ من الطَّيِّبَاتِ
و" الطَّيِّبِينَ " ولم يُقْشَعِ
إذا ما تَزَحْزَحَ عَنْ مَوْضِعٍ
تَأَبَّى وعادَ إلى مَوْضِعِ
وجَازَ بِيَ الشَّكُّ فيما مَعَ
" الجدودِ " إلى الشَّكِّ فيما معي
إلى أن أَقَمْتُ عَلَيْهِ الدَّلِيلَ
مِنْ " مبدأٍ " بِدَمٍ مُشْبَعِ
فأسْلَمَ طَوْعَا ً إليكَ القِيَادَ
وَأَعْطَاكَ إذْعَانَةَ المُهْطِعِ
فَنَوَّرْتَ ما اظْلَمَّ مِنْ فِكْرَتِي
وقَوَّمْتَ ما اعْوَجَّ من أضْلُعِي
وآمَنْتُ إيمانَ مَنْ لا يَرَى
سِوَى العَقْل في الشَّكِّ مِنْ مَرْجَعِ
بأنَّ (الإباءَ) ووحيَ السَّمَاءِ
وفَيْضَ النُّبُوَّةِ ، مِنْ مَنْبَعِ
تَجَمَّعُ في (جوهرٍ) خالِصٍ
تَنَزَّهَ عن ( عَرَضِ ) المَطْمَعِ
```
الخاتمة
لقد كان محمد مهدي الجواهري قامةً شعريةً فريدةً، وشخصيةً وطنيةً فذةً، ترك إرثًا أدبيًا غنيًا ينهل منه الأجيال. شعره ليس مجرد كلماتٍ تُنظم، بل هو نبضُ أمةٍ، وصدى تاريخٍ، وصرخةُ حقٍّ في وجه الظلم. سيبقى الجواهري خالدًا في ذاكرة الأدب العربي، رمزًا للكلمة الحرة، والروح الثائرة، والشاعر الذي لم يساوم على مبادئه، وظل وفيًا لوطنه وشعبه حتى الرمق الأخير. إن قراءة شعره ليست مجرد متعةٍ أدبية، بل هي رحلةٌ في عمق التاريخ والوجدان العربي، تُلهم العقول وتُشعل النفوس، وتُذكّرنا بأن الكلمة الصادقة هي أقوى سلاحٍ في معركة الوجود.