يُعد الشاعر محمد بخيت بن النوه المنهالي أحد أبرز الأصوات الشعرية النبطية في دولة الإمارات العربية المتحدة، حيث ترك بصمة واضحة في الساحة الشعبية من خلال قصائده التي تميزت بالعمق والجزالة، وساهمت في إثراء التراث الشعري الإماراتي. تميزت مسيرته الشعرية بالالتزام بقضايا الوطن والمجتمع، وبأسلوب فريد يجمع بين الأصالة والمعاصرة.
سيرة الشاعر الكاملة
نشأ محمد بخيت بن النوه المنهالي في بيئة تتذوق الشعر وإن لم تكن تكتبه، مما غرس فيه حب الكلمة واللغة منذ صغره. بدأت موهبته الشعرية في الظهور في سن مبكرة، وتحديداً في السادسة عشرة من عمره، حيث وجد الدعم والتشجيع من أسرته، وخاصة والده بخيت النوه المنهالي، الذي قدم له نصيحة ثمينة حول كيفية التعامل مع مختلف الآراء والانتقادات التي قد يواجهها الشاعر في مسيرته [1]. هذه النصيحة كانت بمثابة الدافع الأول لانطلاقته في عالم الشعر، حيث أدرك أهمية تقبل جميع الآراء والتوكل على الله في مسيرته الإبداعية.
لم يرث المنهالي الشعر عن آبائه، بل صقل موهبته بالاجتهاد والمثابرة. فقد حرص على الاطلاع الواسع على كنوز الشعر والأدب العربي، من العصر الجاهلي والإسلامي وصولاً إلى عصور المتنبي وشوقي، بهدف تعميق معرفته باللغة العربية وتطوير لغته الشعرية. بعد ذلك، تخصص في الشعر الشعبي النبطي، ونهل من تجارب فطاحل الشعراء الكبار في المنطقة، أمثال الماجدي بن ظاهر والعقيلي والكندي والجمري. هذا التفاعل مع عمالقة الشعر النبطي ساهم في تهيئة المناخ المناسب له في بداية كتاباته، وساعده على فهم أوزان الشعر الشعبي الأصيل وبحوره مثل (الريحاني والدرسعي والجمل)، مما مكنه من فك رموز العديد من الألغاز الشعرية [1].
كانت بدايات المنهالي مع وسائل الإعلام مبكرة، ففي الثامنة عشرة من عمره، انضم إلى مجلس شعراء المنطقة الغربية التابع لوزارة الإعلام والثقافة، بعد أن قدم قصائده للجنة تقييم وتدقيق القصائد التي كانت تضم شعراء كباراً مثل محمد سعيد الرقراقي والراحل علي بن مصبح الكندي [1].
أسلوبه الشعري وما يميزه
يتميز أسلوب الشاعر محمد بخيت المنهالي بالعذوبة والسلاسة والشفافية، مع قدرة فائقة على صياغة الأفكار بأسلوب درامي محكم. تتجلى في قصائده قوة اللفظ وجزالة المعنى وجمال التعبير، مما يجعله قادراً على إيصال رسائله بوضوح وعمق. يؤكد المنهالي على أهمية الحفاظ على الهوية الإماراتية الأصيلة في الشعر الشعبي، من حيث الروح والكلمة والتعبير والشواهد، ويرفض الانجراف وراء تقليد أساليب الكتابة الخليجية الأخرى [1]. يرى أن الشعر الشعبي الإماراتي له ميزة ونكهة ولون وطعم مميز بين أنواع الشعر الشعبي في المنطقة، مستشهداً بشعر المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان كنموذج يحتذى به في الأصالة والتميز. كما يرى أن التجديد والحداثة في الكتابة يجب ألا يخرجا عن روح الشعر والتراث الإماراتي.
أبرز قصائده
تُعد قصيدة "كارثة القرن" من أبرز وأشهر قصائد محمد بخيت المنهالي، وهي مرثية عصماء في المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه. تتألف القصيدة من ستين بيتاً، وقد كتبها الشاعر بعد عشرة أيام من رحيل الشيخ زايد، وألقاها في اليوم الأخير لأيام الحداد الأربعين في "ليلة وفاء زايد الخير والعطاء" [1]. حظيت هذه القصيدة بانتشار واسع، وأطلق عليها لقب "القصيدة العصماء" نظراً لقوتها وتأثيرها البالغ في الساحة الشعبية. وقد ساهمت هذه القصيدة في تغيير موقع المنهالي في الإعلام الشعري، وعرفته على الجمهور بشكل كبير.
من مطالع أبيات قصيدة "كارثة القرن" التي تعبر عن عمق الفاجعة وصدق المشاعر:
كارثة هالقرن صدمة هزت الصلب الجمود > من صـــداها رج منهو فالمشارق والمغــــارب > والجنازة لي مشت من موكــــــــــــــــب أو ورود > وردهـــا دمع العيون وحزنها أكبر كـــــواكب > حل في ليلة غيابك بالإمارات الركـــــــــــــود > والشــــوارع والمداين ما بها غير الهبايــــب > والعلم حشمه لزايد كبر وصلى سجــــــــــود > وانتكــس معلن حداده قال للمغفور واجب > بس أنجال الفلاحي قطعوا كل القيــــــــــود > يوم ساقوها الجنازة محملة فوق المناكب > ما رضى بكره خليفه ينقل النعش الجنود > قال مال للنعش غير عياله وأقرب قرايب [1]
كما استخدم المنهالي أوزان الشعر الشعبي الأصيل في قصائده الترحيبية، مثل قصيدته التي ألقاها ترحيباً بالشيخ زايد أثناء زيارته لقبيلة المناهيل، والتي قال فيها:
احتار فكري كيف يثني الترضـــاف > ويبدأ بأي من الحروف الأبجدية > يبدأ بهالريحان والجمل خـــــــلاف > ولا يبادرها على الدر سعيــــــــــــــــة > يا بوخليفة زاهية بكل الاطراف > دارن لفيتوها بوقت المســـــــــــــــــية [1]
تأثيره في الساحة الشعبية
كان لقصيدة "كارثة القرن" تأثير بالغ في مسيرة محمد بخيت المنهالي وفي الساحة الشعرية الشعبية بشكل عام. فقد كانت هذه القصيدة نقطة تحول في حياته، حيث سجلت اسمه بحروف من نور وجعلته محط أنظار جميع وسائل الإعلام ومنابر الأمسيات الشعرية المختلفة [1]. ورغم هذا النجاح، انتقد المنهالي المحسوبيات والشللية في تنظيم الأمسيات الشعرية ونشر القصائد في المطبوعات، مما جعله يفضل عدم استجداء النشر إلا للقصائد الوطنية والمهداة للشيوخ، والتي يرى أنها تجد طريقها للنشر عبر المكاتب الخاصة للشيوخ [1].
شارك المنهالي في برنامج "شاعر المليون" في موسمه الثاني، وحصل على لقب "شاعر القضية"، مما زاد من شهرته وتأثيره في الساحة الشعرية [1]. يرى المنهالي أن الشعر الشعبي يجب أن يتماشى مع متطلبات العصر مع الحفاظ على الهوية الإماراتية الأصيلة، ويدعو إلى الابتعاد عن تقليد الأساليب الشعرية الأخرى التي قد تطمس الهوية المحلية. كما يؤكد على ضرورة دعم المواهب الشعرية الشابة وتوفير الفرص لها للظهور والتعبير، بعيداً عن القيود الروتينية والمحسوبيات التي قد تعيق تطور الساحة الشعرية [1].
يُعتبر محمد بخيت المنهالي نموذجاً للشاعر النبطي الإماراتي الذي يجمع بين الأصالة والمعاصرة، ويحرص على توظيف موهبته الشعرية في خدمة وطنه ومجتمعه، مع الحفاظ على التراث الثقافي الغني لدولة الإمارات العربية المتحدة.
المراجع
[1] محمد بخيت المنهالي: كارثة القرن غيرت موقعي في الإعلام الشعري - الاتحاد للأخبار. https://www.aletihad.ae/article/1973/2005/%D9%85%D8%AD%D9%85%D8%AF-%D8%A8%D8%AE%D9%8A%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%86%D9%87%D8%A7%D9%84%D9%8A:-%D9%83%D8%A7%D8%B1%D8%AB%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B1%D9%86-%D8%BA%D9%8A%D8%B1%D8%AA-%D9%85%D9%88%D9%82%D8%B9%D9%8A-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D9%84%D8%A7%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%B9%D8%B1%D9%8A [2026-04-10]