يُعد الشاعر والأديب العُماني محمد أحمد عبد الله الحارثي (1962-2018) من أبرز الأسماء التي أثرت في الساحة الأدبية العُمانية والعربية، ليس بصفته شاعرًا فحسب، بل ومحققًا لأعمال شعرية هامة وكاتب رحلات متميز. وعلى الرغم من أن الطلب الأولي أشار إليه كشاعر نبطي، إلا أن البحث المعمق في سيرته وأعماله يوضح أنه كان شاعرًا فصيحًا يكتب الشعر العمودي وقصيدة النثر، ورائدًا في أدب الرحلات، ولم تشر المصادر المتاحة إلى كونه شاعرًا نبطيًا بالمعنى التقليدي للشعر الشعبي الخليجي. هذا التوضيح ضروري لتقديم صورة دقيقة عن مسيرته الأدبية وإسهاماته. [1] [2]
المولد والنشأة والمسيرة العلمية والمهنية
ولد محمد أحمد عبد الله الحارثي في عام 1962م بمدينة المضيرب في سلطنة عُمان، وهي منطقة عُرفت بثرائها الثقافي والأدبي. تلقى تعليمه الجامعي في جامعة قطر، حيث حصل على شهادة البكالوريوس في الجيولوجيا وعلوم البحار عام 1986. هذه الخلفية العلمية الفريدة ربما أثرت في نظرته للعالم وأسلوبه في الكتابة، حيث يظهر في بعض أعماله اهتمام بالطبيعة والبيئة. بعد تخرجه، عمل الحارثي في مركز العلوم البحرية والسمكية خلال الفترة من 1987 إلى 1990، متنقلاً بين المغرب وعُمان، مما أتاح له فرصة التعرف على ثقافات وبيئات مختلفة، وهو ما انعكس لاحقًا في أدب الرحلات الذي برع فيه. [1] [2]
لم تقتصر اهتمامات الحارثي على مجال تخصصه العلمي، بل تسلل الشعر إلى حياته مبكرًا، فانقاد له، ليصبح لاحقًا أحد الأصوات الشعرية والأدبية المميزة في عُمان. وقد نشر أعماله الشعرية الأولى في دوريات عربية مرموقة مثل الكرمل ومواقف، مما يدل على تبنيه للتيارات الأدبية الحديثة في وقت مبكر من مسيرته. [1] [2]
أسلوبه الشعري وما يميّزه
تميز محمد الحارثي بأسلوبه الشعري المتنوع والعميق، حيث جمع ببراعة بين أصالة الشعر العمودي التقليدي وحداثة قصيدة النثر. كان من الرواد الذين جنحوا إلى كتابة قصيدة النثر في عُمان، مما يعكس انفتاحه على التجارب الشعرية الحديثة وقدرته على التجديد دون الانفصال عن جذور الشعر العربي الأصيلة. [1] [2]
يُعرف أسلوبه بالصور الشعرية المكثفة، واللغة الرصينة التي تمزج بين الفصحى السلسة والعمق الفلسفي. كما يتميز شعره بالنزعة الإنسانية والتأملية، حيث يتناول قضايا الوجود، والحب، والوطن، والموت، بأسلوب يلامس الوجدان ويثير الفكر. وقد وصف بأنه شاعر السرد الذي يبني شعره بطوب السرد ويغلفه بصبغة شعرية لها ألوان مختلفة، مما يشير إلى قدرته على دمج العناصر السردية في نصوصه الشعرية، وخلق توازيات بين القص والحكاية، وبين المباشر والإيحاء. [3] هذا الدمج بين السرد والشعر منحه خصوصية في المشهد الأدبي. [3]
كان الحارثي يمتلك حساسية عالية تجاه التفاصيل، وقدرة على التقاط اللحظات العابرة وتحويلها إلى تجارب شعرية عميقة. شعره غالبًا ما يكون مليئًا بالرموز والدلالات، ويدعو القارئ إلى التأمل والتفكير. كما تميز بقدرته على التعبير عن المشاعر الإنسانية المعقدة بصدق وعمق، مما جعل قصائده تلامس قلوب القراء وتترك أثرًا في نفوسهم. [3]
أبرز قصائده ومطالع أبيات منها
من الصعب حصر أبرز قصائد الشاعر محمد الحارثي في هذا المقام، لكن يمكن الإشارة إلى بعض أعماله التي تعكس أسلوبه الفريد وتنوع تجربته. من قصائده المعروفة التي تظهر عمق تجربته وجمال لغته:
أجسادهم ترتفع قنديلاً ونصف
وأنا أبحث عن ظلّي
في هذه الصحراء
تُظهر هذه الأبيات نزعة تأملية عميقة، وصورة شعرية مكثفة تعبر عن البحث عن الذات في فضاء واسع ومجهول، وهي سمة مميزة لشعر الحارثي.
فطوم تموت في بيت مسي
والريح تعصف بالأبواب
لا أحد يفتح
هذه الأبيات تحمل دلالات الحزن والفقد، وتجسد حالة من العزلة واليأس، حيث لا يجد الصوت من يستجيب له، مما يعكس قدرة الشاعر على التعبير عن الألم الإنساني بأسلوب مؤثر.
ظهيرة في الأعالي
والشمس تلسع وجهي
أبحث عن ماء
تعكس هذه الأبيات معاناة الإنسان في مواجهة قسوة الطبيعة، والبحث عن الأمل والخلاص، وهي صورة متكررة في الشعر الذي يتناول قضايا الوجود والصراع. [2]
هذه المرة سنرأفُ بفرحنا الذبيح
ونفككُ، بسأم الهمّة، خشبَ جنازته اليومية
حيث نقوده من سَمكة العين نحو حانةِ القَصد
لنَسكر وإياه حتى نراه بعَين السمكة.
تُظهر هذه الأبيات استخدامًا جريئًا للصور الشعرية، وتعبيرًا عن الفرح بطريقة غير تقليدية، حيث يمزج بين الحياة والموت، والأمل واليأس، في محاولة لإعادة تعريف مفهوم الفرح. [4]
التحيةُ للأرض خيراً وشرا
التحيةُ للوقت حُلواً ومُرا
التحية للصامتين كثيراً على وضعهم
التحية للظهر يرفض ...
تُبرز هذه الأبيات أسلوب الحارثي في مخاطبة الوجود بكل تناقضاته، وتقديم تحية شاملة لكل جوانب الحياة، مما يعكس نظرته الفلسفية العميقة. [5]
تُظهر هذه المطالع ميل الحارثي إلى استخدام الصور الحسية العميقة، واللغة المكثفة التي تحمل دلالات متعددة، وتعبّر عن حالات إنسانية ووجودية معقدة. كما تعكس قدرته على التجديد في الشكل والمضمون، مما جعله من الأصوات الشعرية المؤثرة في جيله. [2]
تأثيره في الساحة الأدبية
كان محمد الحارثي من أبرز شعراء الخليج في التجربة الحديثة، وقد أثرى الساحة الأدبية العُمانية والعربية بمؤلفاته المتنوعة التي جمعت بين الشعر الفصيح (العمودي وقصيدة النثر) وأدب الرحلات والمقالات الأدبية. وقد ترجمت مختارات من قصائده إلى عدة لغات عالمية مثل الإنجليزية والألمانية واليابانية، مما يدل على عالمية تجربته الأدبية وتأثيره الذي تجاوز الحدود المحلية والإقليمية. [1] [3]
لقد ساهم الحارثي في إثراء المشهد الثقافي العُماني والعربي من خلال أعماله التي اتسمت بالجدة والعمق، وفتح آفاقًا جديدة للشعر العربي الحديث، خاصة في مجال قصيدة النثر وأدب الرحلات. كان له دور محوري في تحديث القصيدة العُمانية، وتقديم نماذج شعرية تتجاوز التقليدية لتلامس قضايا العصر وهموم الإنسان المعاصر. كما كان له دور في تحقيق الأعمال الشعرية الهامة، مثل تحقيقه للآثار الشعرية للشاعر العُماني الكبير أبي مسلم البهلاني، مما يعكس اهتمامه بالتراث الأدبي وحرصه على حفظه وتقديمه للأجيال الجديدة. [1]
تأثيره لم يقتصر على الإنتاج الشعري فحسب، بل امتد ليشمل النقد الأدبي وكتابة المقالات التي تناولت قضايا ثقافية وفكرية متنوعة، مما جعله مرجعًا أدبيًا وفكريًا للعديد من الباحثين والمهتمين. [3]
وفاته
توفي محمد أحمد عبد الله الحارثي في فجر يوم 27 مايو 2018، الموافق 13 رمضان 1439 هـ، بعد صراع مع المرض، عن عمر ناهز ستة وخمسين عامًا في مسقط. وقد ترك خلفه إرثًا أدبيًا غنيًا يثري المكتبة العربية ويشكل مرجعًا مهمًا للباحثين والمهتمين بالشعر والأدب العُماني الحديث. لا يزال تأثيره حاضرًا في الأوساط الأدبية، وتُدرس أعماله كنموذج للشعر العربي الحديث الذي يجمع بين الأصالة والمعاصرة. [1]