حجم الخط:(عادي)

<h1>المولوية — طريق الرومي والسماع: جلال الدين الرومي (1207-1273م)</h1>

<h2>مقدمة</h2>

<p>تُعدّ المولوية إحدى الطرق الصوفية السنية البارزة، التي أسسها الشيخ العارف جلال الدين الرومي في القرن الثالث عشر الميلادي. نشأت هذه الطريقة في قونية بتركيا، وسرعان ما اكتسبت شهرة واسعة بفضل تعاليمها الروحية العميقة وفلسفتها القائمة على المحبة والتسامح، بالإضافة إلى طقوسها المميزة المعروفة بـ "السماع" أو رقصة الدراويش الدائرية. يهدف هذا المقال إلى استعراض جوانب المولوية المختلفة، من نشأتها وتاريخها، مروراً بعقيدتها وفكرها، وصولاً إلى انتشارها وواقعها المعاصر، مع التركيز على شخصية مؤسسها جلال الدين الرومي وإسهاماته الفكرية.</p>

<h2>النشأة والتاريخ</h2>

<p>تأسست الطريقة المولوية على يد محمد جلال الدين بن حسين بهاء الدين البلخي القونوي البكري، المعروف بجلال الدين الرومي، الذي ولد في بلخ بأفغانستان عام 1207م وتوفي في قونية عام 1273م. عاش الرومي فترة مضطربة شهدت فتن المغول والحروب الصليبية، مما دفعه إلى السعي نحو تأسيس دعوة تهدف إلى الحفاظ على الإسلام وتوحيد المسلمين. تأثر الرومي بشكل كبير بالعارف شمس الدين التبريزي، الذي وجهه من علم القال (الظاهر) إلى علم الحال (الباطن) والخلوة والذكر، مما شكل نقطة تحول في مساره الروحي والفكري.</p>

<p>شهدت المولوية انتشاراً واسعاً خلال فترة الدولة العثمانية، خاصة بعد المصاهرة بين العثمانيين والمولويين، حيث تزوج السلطان بايزيد من حفيدة سلطان ولد، ابن جلال الدين الرومي. امتد نفوذ الطريقة ليشمل مناطق واسعة في البلقان وسوريا ولبنان ومصر وفلسطين، حيث لا تزال بعض تكاياها ومساجدها قائمة حتى اليوم، مثل مسجد المولوية في القدس. ومع نهاية الحكم العثماني، حُظرت المولوية في تركيا من قبل مصطفى كمال أتاتورك عام 1925، وحُولت مراكزها إلى متاحف. إلا أن الحكومة التركية أعادت الاعتراف بها عام 1950، وسمحت بممارسة الرقص الدائري سنوياً في ذكرى وفاة الرومي في 17 ديسمبر، كجزء من الفولكلور التركي. يتولى فاروق حمدان الشلبي، الحفيد العشرون للرومي، قيادة الطائفة حالياً.</p>

<h2>العقيدة والفكر</h2>

<p>تقوم العقيدة المولوية على مبادئ أساسية تتمثل في التسامح المطلق، وتقبل الآخرين، والتفسير الإيجابي للوجود، والخير، والإحسان، والإدراك بالمحبة. يؤمن المولويون بأن الذكر، الذي يتجلى في رقصهم الدوراني المصحوب بالموسيقى (السماع)، هو رحلة روحية تسمو بالنفس إلى أعماق العقل والحب، بهدف الوصول إلى الكمال الإنساني. ينمو المريد المولوي، الذي يُعرف بـ "الدرويش" (أي الفقير أو الممتن بأقل الحاجات المعيشية)، في الحب ويتخلى عن أنانيته ليجد الحقيقة ويصل إلى الكمال، ثم يعود إلى العالم ليخدم الخلق بمحبة وتفانٍ.</p>

<p>تُمارس طقوس السماع عادة في أماكن مخصصة تُعرف بـ "السمعخانة". يرتدي الدرويش أثناء هذه الطقوس عباءة سوداء تُسمى "حركة" ترمز إلى القبر، وفوقها ألبسة بيضاء فضفاضة ترمز إلى الموت والبعث، بالإضافة إلى قبعة عالية بنية اللون تُسمى "الكلّة". هذه الرموز تعكس فلسفة المولوية في التخلص من الذات المادية والارتقاء بالروح نحو الوجود الإلهي.</p>

<h3>المثنوي</h3>

<p>يُعد "المثنوي المعنوي"، أو "مثنوي مولانا"، لجلال الدين الرومي، من أروع الأعمال الأدبية الصوفية وأكثرها تأثيراً. كُتب هذا الديوان الشعري الضخم باللغة الفارسية، ويُعتبر مرجعاً أساسياً لفهم الفكر المولوي. يتكون المثنوي من ستة دفاتر ويحتوي على آلاف الأبيات الشعرية التي تتناول قصصاً وحكايات رمزية، وأمثالاً، وتأملات فلسفية عميقة في الحب الإلهي، والبحث عن الحقيقة، والاتصال بالذات الإلهية. إنه ليس مجرد عمل شعري، بل هو دليل روحي يوجه السالكين في طريق التصوف، ويقدم لهم رؤى عميقة حول طبيعة الوجود والإنسان وعلاقتهما بالخالق. وقد أثر المثنوي بشكل كبير في الأدب والفكر الصوفي ليس في العالم الإسلامي فحسب، بل في الثقافة العالمية أيضاً.</p>

<h3>رقصة الدراويش (السماع)</h3>

<p>تُعد رقصة الدراويش، أو "السماع"، هي الطقس الأكثر شهرة وتميزاً في الطريقة المولوية. إنها ليست مجرد رقصة بالمعنى الحرفي، بل هي عبادة وذكر لله، وتعبير عن الشوق الإلهي والاتصال بالكون. تبدأ حلقة السماع بتلاوة من القرآن الكريم، ثم ابتهالات وأدعية، يعقبها عزف على آلة الناي، التي يرمز أنينها إلى حنين الروح للعودة إلى أصلها السماوي. ينهض الدراويش، مرتدين ألبستهم البيضاء الفضفاضة التي ترمز إلى الكفن والطهارة، وقبعاتهم العالية التي ترمز إلى شاهد القبر، ويبدأون بالدوران حول أنفسهم وحول مركز الدائرة التي يقف فيها الشيخ. تكون حركاتهم متناغمة، وأيديهم اليمنى مرفوعة نحو السماء لتلقي الفيض الإلهي، واليسرى متجهة نحو الأرض لتمرير هذا الفيض إلى الخلق. يرمز الدوران إلى حركة الكواكب في الكون، وإلى رحلة الروح نحو الحقيقة الإلهية، والتخلص من الأنا والوصول إلى الفناء في الذات الإلهية.</p>

<h2>الانتشار</h2>

<p>انتشرت المولوية من قونية، مركزها الأصلي، إلى أجزاء واسعة من العالم الإسلامي وخارجه. في تركيا، أثرت المولوية بشكل عميق في الفن والتدين، وكانت أشعار الرومي وموسيقاها الصوفية جزءاً لا يتجزأ من الثقافة التركية. العديد من مشاهير الموسيقى الصوفية التركية كانوا من مريدي المولوية. في سوريا، وصلت المولوية مع العثمانيين، وازدهرت في حلب ودمشق، حيث لا تزال جوامعها وتكاياها شاهدة على وجودها. وقد تحولت بعض طقوسها إلى فقرات فنية مستقلة تقدمها فرق إنشادية. في مصر، تأسست "المولوية المصرية" كفرقة إنشاد صوفي تهدف إلى إحياء التراث المولوي. وفي القدس، دخلت المولوية في العصر المملوكي وتوسع انتشارها في العهد العثماني، ولا يزال مسجد المولوية قائماً هناك.</p>

<p>على الصعيد العالمي، اكتسبت المولوية شهرة واسعة، وأصبحت عروض رقص الدراويش تُقدم في العديد من الدول كجزء من التراث الثقافي والروحي. هذا الانتشار يعكس جاذبية الفلسفة المولوية القائمة على المحبة والتسامح، وقدرتها على تجاوز الحدود الجغرافية والثقافية.</p>

<h2>الواقع المعاصر</h2>

<p>في الوقت الحاضر، لا تزال الطريقة المولوية نشطة ومستمرة، وإن كان ذلك في سياقات مختلفة. ففي قونية، لا يزال مركزها الرئيسي قائماً، وتُقام الاحتفالات السنوية بذكرى وفاة الرومي، التي تجذب الزوار من جميع أنحاء العالم. ورغم أن الحكومة التركية تمنع مظاهر التصوف التقليدية، إلا أنها تستخدم مراسم المولوية كجزء من الفولكلور التركي والترويج السياحي، مما يضمن استمراريتها بشكل أو بآخر. كما أن المولوية لها مراكز أخرى في إسطنبول وغاليبولي وحلب، وتُقدم عروض السماع في العديد من المدن حول العالم، مما يعكس اهتماماً متزايداً بهذا التراث الروحي والفني.</p>

<p>يُلاحظ أن جلسات الذكر المولوي يحضرها أفراد من مختلف الأجناس والأديان، ويلقون تسامحاً ملحوظاً من المولويين، مما يؤكد على مبدأ التسامح الذي تقوم عليه الطريقة. وقد كسبت الطائفة شهرة عالمية من خلال الحفلات والعروض التي تقيمها في دول مختلفة، مما يساهم في نشر رسالة الرومي الروحية.</p>

<h2>خاتمة</h2>

<p>تُعد المولوية، بطريقتها الروحية العميقة وفلسفتها القائمة على المحبة والتسامح، إرثاً حضارياً وفكرياً عظيماً تركه جلال الدين الرومي. من خلال "المثنوي" و"رقصة الدراويش"، قدمت المولوية نموذجاً فريداً للتصوف يجمع بين الشعر والموسيقى والحركة، ويهدف إلى الارتقاء بالروح الإنسانية نحو الكمال الإلهي. ورغم التحديات التاريخية والمعاصرة، استطاعت المولوية أن تحافظ على جوهرها الروحي وتنتشر في أنحاء العالم، لتظل منارة للتسامح والمحبة في عالمنا المعاصر. إنها دعوة دائمة للتأمل في الذات والكون، والبحث عن الحقيقة من خلال طريق العشق الإلهي الذي خطه مولانا جلال الدين الرومي.</p>