شارك هذا المقال

حجم الخط:(عادي)

في دراسة نشرتها منظمة الصحة العالمية، تبيّن أن أقل من 10% من المصابين باضطرابات نفسية في الدول العربية يتلقّون علاجاً مناسباً. هذا الرقم يعني أن ما يزيد على 90% يُعانون في صمت، بلا تشخيص ولا علاج ولا دعم.

لماذا؟ الإجابة ليست غياب الوعي فقط، بل هي منظومة متكاملة من العوامل الثقافية والاجتماعية والاقتصادية التي تجعل طلب المساعدة النفسية أمراً صعباً في سياقنا العربي.

الأرقام التي لا يُقال عنها الكثير

منظمة الصحة العالمية تُقدّر أن نحو 50 مليون شخص في المنطقة العربية يُعانون من اضطرابات نفسية بدرجات متفاوتة. الاكتئاب والقلق هما الأكثر انتشاراً، يليهما اضطراب ما بعد الصدمة الذي يُعاني منه ملايين اللاجئين وضحايا الحروب.

معدلات الانتحار في المنطقة العربية أقل من المعدلات العالمية، لكن الخبراء يُحذّرون من أن هذه الأرقام لا تعكس الواقع بدقة بسبب التقليل من الإبلاغ عن حالات الانتحار في كثير من الدول.

الوصمة الاجتماعية: العدو الأكبر

الوصمة الاجتماعية هي السبب الرئيسي لعدم طلب المساعدة. في كثير من المجتمعات العربية، الاضطراب النفسي يُفسَّر على أنه ضعف شخصية، أو عقوبة إلهية، أو مسّ من الجن. هذه التفسيرات تجعل الشخص المريض يشعر بالخجل والذنب بدلاً من أن يشعر بالحاجة إلى العلاج.

الأسرة أحياناً تُفاقم المشكلة بدلاً من أن تُخفّفها. "لا تتكلم عن هذا مع أحد"، "كل الناس عندها مشاكل"، "اقرأ قرآن وبتعدي"، هذه الجمل التي تُقال بنية حسنة تُرسّخ الوصمة وتمنع طلب المساعدة.

الحرب وأثرها على الصحة النفسية

الأزمة الحالية في المنطقة تُضيف طبقة جديدة من الضغط النفسي. الحروب في اليمن وسوريا وغزة ولبنان أنتجت ملايين اللاجئين والنازحين الذين يُعانون من صدمات نفسية حادة. والحرب الجديدة على إيران تُضيف إلى هذا الثقل النفسي الجماعي.

الدراسات تُشير إلى أن نسبة الإصابة باضطراب ما بعد الصدمة في مناطق النزاع تتراوح بين 15 و30%، وأن الأطفال هم الأكثر تضرراً على المدى البعيد.

ما الذي يمكن فعله؟

على المستوى الفردي: تعلّم أن تُفرّق بين الحزن الطبيعي والاضطراب النفسي الذي يحتاج علاجاً. لا تخجل من طلب المساعدة. وإذا كان لديك شخص قريب يُعاني، كن مستمعاً لا حاكماً.

على المستوى المجتمعي: الإعلام والفن والدراما يلعبان دوراً محورياً في تغيير الصورة النمطية عن الصحة النفسية. ما نراه في دراما رمضان 2026 من تناول جاد لهذه الموضوعات هو خطوة في الاتجاه الصحيح.

على المستوى الحكومي: الاستثمار في الصحة النفسية ليس ترفاً، بل ضرورة اقتصادية. الاضطرابات النفسية غير المُعالَجة تُكلّف الاقتصادات العربية مليارات الدولارات سنوياً في الإنتاجية المفقودة والغياب عن العمل.

الصحة النفسية ليست رفاهية. إنها حق إنساني أساسي.