شارك هذا المقال

حجم الخط:(عادي)

الحلاق ### من ذاكرة العمر — حكايات لا تُنسى

لا أعرف لماذا يحتفظ العمر بأشياء يظنّها الناس تافهة، ويُسقط من ذاكرته أشياء يظنّها هو جليلة. فالذاكرة لها منطقها الخاص، وهي لا تسأل أحداً حين تختار ما تُبقي وما تُلقي. ومن بين ما أبقته لي ذاكرتي العنيدة، هذه الحكايات المتناثرة مع الحلاقين — أولئك الرجال الذين يجلسونك على كرسيهم فتصبح في حضرتهم طيّعاً كالطفل، لا تملك من أمرك شيئاً.


أولاً: الدغدغة التي تنقلك إلى عوالم أخرى

كان الكرسي القديم في صالون الحلاق عالماً بأكمله. لا أعرف كيف أصف ذلك الإحساس الذي كان ينتابني حين يُمسك الحلاق بماكينته اليدوية القديمة — تلك التي تشبه في شكلها قبضة رجل ريفي متمرّس — ويبدأ رحلته من أسفل القفا صاعداً. كانت الدغدغة تنبثق من هناك، من ذلك المكان الحساس بين العنق والرأس، فتسري في الجسد كله سريان الدفء في ليلة باردة. لم تكن مجرد دغدغة جسدية، بل كانت بوابة سرية تفتح على عوالم خيالية لا يصلها الإنسان إلا في تلك اللحظة بالذات — لحظة الاستسلام التام على كرسي الحلاق.

كنت أجلس وأغمض عينيّ، وأترك تلك الدغدغة الناعمة تأخذني حيث تشاء. أحياناً إلى طفولة بعيدة، وأحياناً إلى أحلام لم أحلمها بعد. كانت الماكينة اليدوية تختلف تماماً عن الكهربائية في هذا — لها إيقاع خاص، وصوت خاص، ولمسة تشبه لمسة يد لا آلة.


ثانياً: الحلاق الهندي وإصبعه الزائد

حين كنت أعمل في خميس مشيط، كان لي حلاق من الإخوة الهنود — رجل بارع في قصّ الشعر بالمشط والمقص براعةً تجعلك تنسى أنك في مدينة لا في أرقى صالونات المدن الكبرى. كانت يداه تتحركان بخفة الريشة وسرعة الطائر، والمقص يُغنّي أغنيته المعتادة فوق رأسك في إيقاع منتظم يكاد يكون موسيقياً.

لكن لذلك الرجل الماهر عيبٌ خلقي لم يكن يُعيره اهتماماً يُذكر: إصبع زائد في إحدى يديه، متصل بالكف بقطعة جلد خفيفة، كأنه ضيف لم يُدعَ لكن جاء. وكان ذلك الإصبع الزائد — في غمرة السرعة والحرفنة — يضرب جبهتي بين الحين والآخر حين يأتي الحلاق على مقدمة رأسي. ضربة غير موجعة، لكنها مؤثرة — كأنها تقول: *أنا هنا أيضاً، لا تنسَني.*

كنت أجلس وأتساءل في سرّي: لماذا لم يقصّ هذا الإصبع؟ ألا يزعجه؟ ألا يُحرجه؟ لكنه كان يعمل بلا اكتراث، وكأن ذلك الإصبع جزء طبيعي من أدوات المهنة. ربما اعتاد عليه حتى نسي أنه موجود. وربما أنا كنت الوحيد الذي يتذكره — لأن جبهتي كانت تتلقى تذكيراً دورياً بوجوده.

تركته في نهاية المطاف، وانتقلت إلى حلاق آخر. لا لأن الإصبع آذاني، بل لأن الضربات المتكررة على الجبهة أربكت تلك الحالة الخيالية التي كنت أنتظرها على الكرسي.


ثالثاً: الحلاق الذي قصّ الأذن

أما الحكاية الثالثة فهي الأشد وقعاً، وهي التي غيّرت علاقتي بالحلاقين إلى الأبد.

كان ذلك الحلاق ماهراً في قصّ الشعر بالمقص — بل كان يستمتع بالمقص استمتاعاً حقيقياً، كأن بينه وبين تلك الأداة الفضية الصغيرة قصة حب قديمة. كنت أُفضّل الماكينة الكهربائية لأن نتائجها متساوية ومضمونة، لكنه كان يُصرّ على المقص بحجة أن الشعر يحتاج إلى يد لا إلى آلة.

وفي يوم من الأيام، وأنا جالس على كرسيه الأثير، بدأ يحكي لي — وهو يُمرّر المقص بالقرب من أذني — قصة من طفولته. قال إنه كان صغيراً، وكان يجلس على سطح منزلهم، وأحضر ابن الجيران وأجلسه على كرسي قديم وبدأ يتعلم عليه مهنة الحلاقة. كان يقصّ ويُشكّل، والطفل جالس بصبر الأطفال الذين لا يعرفون الخطر.

ثم قال — وأنا أشعر بالمقص يمرّ قريباً من أذني اليمنى: *"في لحظة غفلة، لم أشعر إلا بالطفل يصرخ من الألم."*

توقفت عن التنفس.

*"ونظرت فإذا على بلاط السطح قطعة صغيرة من أذن ذلك الطفل المسكين — قصّها مقصي الجميل بكل برود."*

شعرت بشعر رأسي يقف واحدة واحدة.

وكلّما مرّ المقص قريباً من أذني بعد ذلك، كنت أسمع في خيالي صرخة ذلك الطفل البعيد. لم أكمل الجلسة بهدوء. كنت أُراقب كل حركة، وأُحصي كل مرور للمقص، وأتمنى أن تنتهي الجلسة قبل أن تنتهي أذني.


خاتمة: الاستقلال

غادرت ذلك الصالون بأذنَيّ سالمتين — ولله الحمد — لكنني غادرته وقد اتخذت قراراً لا رجعة فيه.

اشتريت ماكينة حلاقة، وجلست أمام المرآة، وبدأت رحلتي مع نفسي. منذ سنوات طويلة وأنا أحلق لنفسي — لا أثق بيد غريبة تقترب من أذني، ولا بأداة لا أعرف إن كانت طُهِّرت أم لا. الأمان يستحق كل شيء، حتى لو كلّفني التخلي عن تلك الدغدغة الناعمة من الماكينة اليدوية القديمة.

ربما فقدت شيئاً — تلك البوابة السرية إلى العوالم الخيالية. لكنني ربحت شيئاً أثمن: أذنَيّ.

وهذا يكفي.


*غازي بن حمدان الشاعر — مؤسس منصة مِدَاد، مستشار إداري معتمد، ومؤلف كتاب مرافئ الذكريات.*