كثيراً ما يسألني الناس: لماذا كتبتَ مرافئ الذكريات؟

والجواب الصادق هو: لم أخطط لذلك.

لم أجلس يوماً أمام ورقة بيضاء وأقول لنفسي: "سأكتب كتاباً." الكتاب جاء وحده — تراكمت فيه سنوات من اللحظات التي ظللتُ أحملها في ذاكرتي دون أن أجد لها مكاناً.

اللحظات التي لا تُنسى

كل إنسان يحمل في داخله أرشيفاً من اللحظات — لحظات صغيرة لا تبدو مهمة في وقتها، لكنها تبقى معك لعقود. لحظة قالها لك شخص لا تعرفه، أو موقف واجهته في مكان بعيد، أو ضحكة لم تتوقعها في أصعب الأوقات.

أنا لديّ من هذه اللحظات الكثير. وفي مرحلة من حياتي، قررتُ أن أكتبها — لا لأنني أظن أنها تستحق النشر، بل لأنني أردتُ أن أحتفظ بها بطريقة أفضل من الذاكرة وحدها.

الذاكرة خائنة

الذاكرة تكذب. تُجمّل ما كان مؤلماً، وتُقبّح ما كان جميلاً، وتحذف ما لا تريد أن تتذكره. والكتابة — على عكس الذاكرة — تُثبّت اللحظة كما كانت، بكل تفاصيلها وألوانها وحتى بعيوبها.

حين كتبتُ عن سنوات الدراسة في بريطانيا، اكتشفتُ أن ذاكرتي كانت قد حذفت الكثير من التفاصيل الصغيرة — البرد الذي كان يتسلل من نوافذ الغرفة، ورائحة المطبخ المشترك في السكن الجامعي، وصوت المطر على الأسفلت الإنجليزي في الليل. حين بدأتُ أكتب، عادت هذه التفاصيل واحدة واحدة — كأن الكتابة فتحت باباً كنتُ قد أغلقته دون أن أنتبه.

لمن كتبتُ؟

كتبتُ لأبنائي وأحفادي أولاً. أردتُ أن يعرفوا من أين جاء هذا الرجل الذي يرونه اليوم. أردتُ أن يعرفوا أنه لم يكن دائماً كما هو الآن — أنه كان طالباً غريباً في بلاد باردة، يتعلم كيف يطبخ ويغسل ملابسه ويواجه مواقف لم يتوقعها.

وكتبتُ لكل من عاش غربة — سواء كانت غربة جغرافية أو غربة الإنسان في وسط الناس. لأن الغربة تجربة مشتركة، وإن اختلفت تفاصيلها.

وكتبتُ — في النهاية — لنفسي. لأن الكتابة علّمتني أن أنظر إلى ماضيّ بعيون مختلفة. بعيون تقبل ما كان، وتشكر ما مرّ، وتفهم أن كل تلك اللحظات — الجميلة والصعبة والمضحكة والمحرجة — هي التي صنعت من أنا اليوم.

المرافئ

اخترتُ كلمة "مرافئ" عنواناً لأن المرفأ ليس نهاية الرحلة — هو محطة. مكان تتوقف فيه لتستريح، ثم تكمل. وذكرياتي هي مرافئ من هذا النوع — محطات توقفتُ فيها، تعلّمتُ فيها شيئاً، ثم أكملتُ.

وأتمنى أن يجد فيها القارئ شيئاً يشبه مرافئه هو — لأن في النهاية، قصصنا مختلفة، لكن الإنسان فينا واحد.


*غازي بن حمدان الشاعر — مؤسس منصة مِدَاد، مستشار إداري معتمد، ومؤلف كتاب مرافئ الذكريات.*