حجم الخط:(عادي)

يُعد الشاعر خلفان بن مصبح بن خلفان الشويهي، المولود في بلدة الحيرة بإمارة الشارقة عام 1923م (1342هـ)، من أبرز رواد الشعر النبطي في دولة الإمارات العربية المتحدة، على الرغم من حياته القصيرة التي انتهت بوفاته المبكرة عام 1946م (1366هـ). قضى خلفان بن مصبح حياته في طلب العلم والتجارة، تاركًا خلفه إرثًا شعريًا غنيًا يعكس موهبته الفذة وحسه المرهف.

المولد والنشأة والحياة:

ولد خلفان بن مصبح في الحيرة، وهي بلدة ساحلية تابعة لإمارة الشارقة، وعاش فيها سنواته الأولى. تلقى تعليمه في الكتاتيب التقليدية، حيث تتلمذ على يد المطوع مشعان بن ناصر في الشارقة. وعندما انتقل مشعان إلى رأس الخيمة، لحق به خلفان ليواصل دراسته على يديه، مما يدل على شغفه بالعلم والمعرفة. لم تقتصر حياته على طلب العلم، بل امتهن أيضًا تجارة اللؤلؤ (الطواشة) مع جده لأمه. دفعته هذه المهنة إلى السفر والتنقل بين عدن وسقطرى وبعض أقطار الخليج، مما أثرى تجربته الحياتية ومنحه رؤى واسعة انعكست لاحقًا في شعره. إلا أن القدر لم يمهله طويلاً، فقد تعرض لسقطة قوية أدت إلى إصابته بمرض في عظام الظهر. سافر إلى الهند بحثًا عن العلاج، لكنه توفي هناك في شرخ شبابه، تاركًا وراءه حسرة كبيرة على موهبة لم تُتح لها الفرصة الكاملة لتزدهر.

أسلوبه الشعري وما يميّزه:

تميز أسلوب خلفان بن مصبح الشعري بعمق رومانسي وتأمل فلسفي، جعله يُلقب بـ "الشاعر الجامح". وقد قارنه النقاد بالشاعر التونسي أبي القاسم الشابي، ليس فقط في موهبته الشعرية الفذة، بل أيضًا في رحيله المبكر. كان شعره يجمع بين حب الحياة والتوقع الحزين للرحيل، مما أضفى عليه طابعًا فريدًا. نظم خلفان بن مصبح قصائده على الوزن والقافية، مع قدرة تصويرية عالية تقترب من الفلسفة، حيث كان يجسد مشاعره وأفكاره بأسلوب عذب وسهل ممتنع، يصل إلى القارئ بصدق وعمق.

أبرز قصائده ومطالع أبياتها:

ترك خلفان بن مصبح ديوانًا شعريًا غنيًا، جمع في كتاب "الشاعر الجامح: خلفان بن مصبح" الذي أعده شوقي رافع وحققه وليد محمود خالص. من أبرز قصائده التي تعكس أسلوبه وموهبته:

"بدت تختال في حُلل الجمالِ": قصيدة تصف الجمال بأسلوب رقيق وعذب، وتظهر قدرته على التصوير البديع.
"يا طائر الشعر القرير": قصيدة يعبر فيها عن مشاعره وأحاسيسه، ويستدعي فيها الطائر كرمز للحرية والتحليق الشعري.
"يا قلب لا يجديك مني التعلل": قصيدة تتناول موضوع الحب والألم، وتظهر فيها قدرته على التعبير عن الصراعات الداخلية.
مطلعها: "يا قلب لا يجديك مني التعلل / ومالك عما تبتغيه تحوّل"
"تسير الحياة بأصحابها": قصيدة تتأمل في مسيرة الحياة وتقلباتها، وتظهر فيها حكمته وفلسفته الخاصة.
مطلعها: "تسير الحياة بأصحابها / تعزّى فؤادي ما على الدهر معتبا"
"عزّ التأسّي وفاض الدمع هتانا": قصيدة تعبر عن الحزن والأسى، وتظهر فيها قدرته على تجسيد المشاعر الإنسانية العميقة.
"وما انتفاعي بنور الصبح أرقبه": قصيدة ذات طابع تأملي، تتساءل عن جدوى الانتظار والأمل في ظل ظروف معينة.
"بليت بحبِّ بين جنبيَّ مشتعل": قصيدة غزلية تصف شدة الحب وعذابه، وتبرز فيها العاطفة الجياشة.

تأثيره في الساحة الشعبية:

على الرغم من قصر حياته، ترك خلفان بن مصبح بصمة واضحة في الساحة الشعرية الإماراتية. يُعتبر من الرواد الذين أسهموا في إثراء الشعر النبطي، ومهدوا الطريق لأجيال لاحقة من الشعراء. أسلوبه الفريد الذي يجمع بين الرومانسية والفلسفة، وقدرته على صياغة المعاني العميقة في قالب شعري سهل وممتع، جعله محط إعجاب وتقدير. لا يزال شعره يُدرس ويُحتفى به كجزء أصيل من التراث الأدبي الإماراتي، ويُذكر اسمه دائمًا عند الحديث عن عمالقة الشعر النبطي في المنطقة. وقد ساهمت الدراسات الأدبية التي تناولت حياته وشعره، مثل دراسة إبراهيم محمد بوملحة، في تسليط الضوء على مكانته وأثره الدائم.