بين عالمين يفصل بينهما حجاب الغيب، طالما وقف العقل البشري متأملاً، وطالما خفقت القلوب وجلاً من ذلك المجهول الذي يسكن الظلال. قضية "تلبّس الجن بالإنس"، تلك المسألة التي تماوجت فيها الآراء، وتلاطمت فيها أمواج النصوص الشرعية مع شواطئ العقل والتجربة، حتى باتت ميداناً للجدل بين مثبتٍ يرى فيها حقيقةً لا مراء فيها، ونافٍ يرى فيها وهماً نسجته خيالات الضعف البشري.
أولاً: المثبتون.. حراس النص وحُجّة الظاهر
وقف جمهور علماء السلف، وعلى رأسهم شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم، ومن المعاصرين الشيخ ابن باز وابن عثيمين، موقف المُثبت الذي لا يلين. حجتهم في ذلك قوية، تنطلق من ظواهر النصوص القرآنية والأحاديث النبوية.
استندوا في المقام الأول إلى قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾. رأوا في هذه الآية دليلاً جلياً على أن الشيطان يمس الإنسان مساً حقيقياً يورثه التخبط والصرع. وقد نقل الإمام القرطبي وابن جرير الطبري إجماع المفسرين الأوائل على أن المس هنا هو الجنون والصرع الحقيقي الذي يحدث بتأثير الجن.
ولم يقفوا عند القرآن، بل استلهموا من السنة النبوية أدلتهم، كقوله صلى الله عليه وسلم: "إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم"، وما رُوي عنه في مواضع عدة من أمره للجن بالخروج من أجساد بعض المرضى قائلاً: "اخرج عدو الله، أنا رسول الله".
ويزيد ابن تيمية على ذلك بحجة "الواقع والمشاهدة"، فيقول إن من شاهد المصروع يتحدث بلغات لا يعرفها، ويُضرب ضرباً لو ضُرب به جمل لأثّر فيه، وهو لا يشعر، يعلم يقيناً أن الناطق على لسانه هو كائن آخر. واعتبر ابن القيم أن إنكار هذا الأمر هو من صنيع "زنادقة الأطباء" الذين يحيلون كل شيء إلى الأخلاط والأمراض العضوية متجاهلين تأثير الأرواح الخبيثة.
ثانياً: النافون.. صوت العقل وتنزيه التكريم الإنساني
في الضفة الأخرى، يقف فريق من العلماء قديماً وحديثاً، بدءاً من المعتزلة كأبي بكر الرازي والجبائي، وصولاً إلى عدد من علماء العصر الحديث كالدكتور يوسف القرضاوي والشيخ محمد الغزالي، ومعهم جمهرة من الأطباء النفسيين.
يرى هؤلاء أن القول بدخول الجن في جسد الإنسان وتحكمه فيه يتنافى مع أصول قرآنية كبرى. فالإنسان هو الخليفة المكرّم ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾، فكيف يُسلط عليه كائن خفي يسلبه إرادته ويسوقه كالدابة؟ وكيف يستقيم هذا مع قوله تعالى على لسان إبليس: ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾؟ فالنص القرآني يحصر سلطة الشيطان في "الوسوسة" و"الإغواء"، لا في القهر الجسدي والتحكم العضوي.
أما عن آية التخبط من المس، فيفندون دلالتها بأنها تشبيه مجازي، صوّر الله فيه حال آكل الربا يوم القيامة بحال من يتخبطه الشيطان، والمس هنا هو "وسوسة الإغواء" أو "الأوهام" التي تصيب الإنسان، تماماً كما قال أيوب عليه السلام: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾، والمس هنا لم يكن دخولاً في الجسد، بل إيحاءات وأوهاماً.
أما عن حجة "الواقع والمشاهدة" وتغير الأصوات، فيرى الأطباء وعلماء النفس، ويوافقهم في ذلك ممارسون للرقية كالشيخ الرفاعي، أن هذه الظواهر ليست سوى انعكاسات لأمراض نفسية وعصبية كالفصام (الشيزوفرينيا) والاضطراب الانشقاقي، حيث يتقمص المريض، تحت وطأة الضغط النفسي والإيحاء المجتمعي، شخصية أخرى، فيتغير صوته وتتبدل ملامحه دون وعي منه.
القول الفصل.. بين عالم الغيب وسنن الشهادة
إن المتأمل في هذا الخلاف يدرك أن الحقيقة تقف على برزخ دقيق. لا يمكن للمؤمن أن ينكر وجود الجن، فهم خلق من خلق الله المكلّفين، ولا يمكن إنكار تأثيرهم من حيث الجملة بالوسوسة والإيذاء الخفي. ولكن، المبالغة في تصوير هذا التأثير حتى يصبح "الجن" هو الشماعة التي تُعلق عليها كل أمراضنا النفسية، وإخفاقاتنا الاجتماعية، وحالاتنا العصبية، هو انحراف عن جادة الصواب.
القول الفصل هو أن نحفظ للغيب حرمته، وللعقل مقامه. فما أثبته الشرع من وسوسة وأذى يُدفع بالقرآن والذكر والتحصين، وما أثبته العلم من أمراض نفسية وعصبية كالفصام والصرع العضوي يُعالج في عيادات الطب. القرآن جاء شفاءً للصدور وهداية للقلوب، لا طلاسم تُقرأ لاستنطاق المجهول. فلنترك الجن في عالمهم المستور، ولنعمر نحن عالمنا المشهود بالعلم، واليقين، والتوكل الحق على رب العالمين.