حجم الخط:(عادي)

في سماء الفن الإماراتي والخليجي، يسطع نجم الفنان حسين الجسمي كظاهرة فريدة، لا يقتصر وهجها على اللحن العذب والصوت الشجي، بل يتجاوز ذلك ليصبح جسراً ذهبياً تعبر عليه كنوز الشعر النبطي من دواوين كبار الشعراء إلى قلوب الملايين في أرجاء الوطن العربي. هو ليس شاعراً يمسك القلم ليكتب القصيدة، بل فنان استثنائي يمسك الميكروفون ليمنحها روحاً جديدة، ويجعل من صوته ديواناً صوتياً متنقلاً يحفظ ويروّج لأعذب ما جادت به قرائح شعراء الإمارات والخليج.

إن الحديث عن حسين الجسمي في سياق الشعر النبطي ليس حديثاً عن شاعر، بل عن "فنان شاعر"، فنانٌ تشبّع بروح القصيدة النبطية، وفهم أبعادها، وأدرك قيمتها، فسخر لها حنجرته الذهبية وإحساسه المرهف، ليقدمها للجمهور في حلة قشيبة تجمع بين أصالة الموروث وحداثة الأداء الموسيقي. لقد أثبت الجسمي أن العلاقة بين القصيدة والمغني ليست علاقة مؤدٍ ونص، بل هي علاقة تكاملية يذوب فيها اللحن في الكلمة، والصوت في المعنى، ليخلقا معاً أثراً خالداً في وجدان المستمع.

سيرة فنية حافلة: من خورفكان إلى العالمية

وُلد الفنان حسين جمعة الجسمي في الخامس والعشرين من أغسطس عام 1979 في مدينة خورفكان الساحرة بإمارة الشارقة، في بيئة محبة للفن والتراث. منذ نعومة أظفاره، أظهر شغفاً بالموسيقى والغناء، وبدأ مسيرته الفنية الفعلية في أواخر التسعينيات، لكن انطلاقته الكبرى كانت مع ألبومه الأول عام 2002، الذي حقق نجاحاً مدوياً، وقدم للساحة الفنية نجماً بمواصفات عالمية.

لم يكن الجسمي مجرد مغنٍ، بل هو فنان شامل؛ ملحن وموزع وعازف بيانو، وقد صقل موهبته بالدراسة والاطلاع الواسع على مختلف الألوان الموسيقية. إلا أن ارتباطه العميق بالتراث الإماراتي والخليجي ظل السمة الأبرز في فنه، وكان الشعر النبطي هو الرافد الأهم الذي نهل منه، والكنز الذي استخرج منه أجمل الدرر ليصوغها ألحاناً وأغنيات.

الجسمي والشعر النبطي: علاقة إبداع وتكريم

خلافاً للاعتقاد الشائع لدى البعض، لم يُعرف عن الفنان حسين الجسمي أنه شاعر يكتب القصائد بنفسه، ولا يوجد له ديوان شعري منشور. تكمن عبقريته الحقيقية في قدرته الفائقة على اختيار النصوص الشعرية الراقية، والغوص في أعماق معانيها، ثم ترجمة تلك المعاني إلى ألحان مؤثرة وأداء صوتي يلامس الروح. لقد غنى الجسمي لكبار شعراء النبط، وفي مقدمتهم قادة وشيوخ دولة الإمارات الذين عُرفوا بجزالة شعرهم وعمق رؤيتهم.

من روائع الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان

تشرّف الجسمي بغناء العديد من قصائد الوالد المؤسس، المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه. ومن أشهر ما صدح به من كلماته قصيدة "حَيّ بِالشَّهَامَة"، التي تُعد من عيون الشعر النبطي في الفخر والاعتزاز بالقيم الأصيلة:

يَا حَيّ بِالشَّهَامَة > نَفْدِي تْرَاب بْلَادِي > أَرْوَاحِنَا نِسُوقَهَا > مِنْ دُون أَدْنَى تْرَابِي > يَا شَامِخٍ فِي الْعِزّ > يَا حِصْنٍ لَنَا مْنِيعِ > يَا دَارِنَا يَا أَغْلَى وَطَنْ > حُبِّكْ فِي دَمِّي يِجْرِي

من أشعار صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم

شكلت قصائد صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، محطة فارقة في مسيرة الجسمي الفنية. وقدّم الجسمي أمسية فريدة بعنوان "في حب أشعار الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم"، غنى فيها مجموعة من أروع قصائده، مثل "العَادِيَات" التي تجسد حب الخيل والفروسية:

حـبْ الرِّمَـكْ يِجْـرِي بِشَرَايِينِي > آحبِّهَـا وآحـبْ طَارِيهَـا > هِي فِي الدِّمَا وَفِي الْقَلْبِ وِالْعِينِ > أُنْسِي وْسَعْدِي فِي نَوَاصِيهَا > لِي مِنْ لِمَحْت الصَّافِنَاتِ تْزِينِ > تَسْرِي بِي الْهَوْجَاسْ وَأَسْرِيهَا

من كلمات سمو الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم "فزاع"

كما تعاون الجسمي مع سمو الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم "فزاع"، ولي عهد دبي، الذي يُعرف بشعره الوجداني العذب. ومن أشهر الأغنيات التي جمعتهما أغنية "ساعة لندن" التي تصف مشاعر الشوق والحنين بأسلوب نبطي حديث:

سَاعَةْ لَنْدَنْ بِالتَّحْدِيدْ > كَانَتْ أَجْمَلْ فِي حَيَاتِي > يَوْم أَنَا شِفْتَهْ مِنْ بَعِيدْ > ضَاعَتْ مِنِّي كِلْمَاتِي > قَلْبِي يَا نَاسْ مِنْ حَدِيدْ > ذَابْ وْصَارْ فِي شَتَاتِي

خاتمة: صوت الإمارات إلى العالم

إن مسيرة الفنان حسين الجسمي هي قصة نجاح ملهمة، وقصة وفاء للتراث والأصالة. لقد استطاع بصوته وإبداعه أن يكون خير سفير للأغنية الإماراتية والخليجية، وأن يقدم الشعر النبطي في أبهى صورة وأعذب لحن. لم يكن مجرد ناقل للكلمات، بل كان شريكاً في الإبداع، يضيف للقصيدة بعداً جديداً من الجمال والتأثير، ويؤكد أن الفن الراقي هو الذي ينبع من جذوره، ثم ينطلق ليخاطب العالم بأسره بلغة الإنسانية والمحبة.