حجم الخط:(عادي)

مقدمة أدبية

في رحاب الشعر، حيث تتجلى الروح وتتسامى الكلمات، يبرز اسم الشاعر حميد محمد الفلاسي كقلمٍ أصيلٍ يخطّ وجدان الإمارات، ولسانٍ فصيحٍ ينطق بمكنونات أرضها وناسها. إنه صوتٌ معاصرٌ ينهل من معين التراث النبطي العريق، ليصبّه في قوالب إبداعية تلامس شغاف القلوب، وتُحاكي هموم الوطن وتطلعاته. ففي زمنٍ تتسارع فيه وتيرة الحياة، وتتلاطم أمواج التغيير، يظل الشعر النبطي، بصدقه وعفويته، مرآةً تعكس الهوية، وجسراً يربط الأجيال، وحميد الفلاسي هو أحد فرسانه الذين يحملون لواءه، ليُعلي من شأنه، ويُبقي جذوته متقدة في سماء الأدب الإماراتي. لقد استطاع الفلاسي أن يمزج بين أصالة الماضي وحداثة الحاضر، مقدماً شعراً يلامس الروح ويعبر عن نبض الشارع الإماراتي، مما جعله واحداً من أبرز الأصوات الشعرية التي تحظى بتقدير واسع في المشهد الثقافي.

سيرة موثقة: من العوير إلى آفاق الشعر

وُلد الشاعر حميد محمد الفلاسي وترعرع في منطقة العوير بدبي، تلك الأرض التي شكلت مهد صباه وموطن إلهامه الأول. في هذه الربوع، حيث الأصالة والعراقة، تلقى الفلاسي تعليمه الأولي والثانوي، ليتشرب من بيئته قيم البداوة الأصيلة، ويتعمق في فهم طبيعة مجتمعه. لم تكن مسيرته سهلة، فقد واجه تحدي اليتم في سن مبكرة، حيث توفي والده وهو طفل، ليجد في كنف عمه، راشد بن حميد بن معصم، المعروف بـ "راشد العود"، الأب والمعلم والمرشد. كان لعمّه دورٌ محوريٌ في صقل موهبته الشعرية، فقد كان يلقي عليه الأبيات الشعرية ويطلب منه مجاراتها والرد عليها، مما أيقظ فيه حسّ الشاعر، وفتح أمامه أبواب الإبداع النبطي، وغرس فيه حب الكلمة الموزونة والمعنى العميق.

بدأ الفلاسي رحلته مع الشعر في سن الثامنة عشرة تقريباً، متأثراً بعمه الذي كان شاعراً متمكناً. لم يكتفِ الفلاسي بالوراثة الشعرية، بل سعى جاهداً لتطوير أدواته، والتعمق في بحور الشعر النبطي وقوافيه، مستفيداً من كل فرصة لتعلم المزيد وصقل موهبته الفطرية. التحق الشاعر بالسلك العسكري، وهي مرحلةٌ أثرت بشكلٍ عميقٍ في شخصيته وتوجهه الشعري. فمن خلال خدمته للوطن، تعزز لديه الحس الوطني والانتماء، وهو ما انعكس جلياً في قصائده التي تمجد الإمارات وتاريخها ومنجزاتها، وتبرز قيم الولاء والتضحية. ورغم تقاعده من العمل العسكري، إلا أن الفلاسي يؤكد أن العطاء لا يتوقف عند حدود الوظيفة، بل يمتد ليشمل خدمة المجتمع والأدب، وهو ما يواصله من خلال إبداعاته الشعرية ومشاركاته الفاعلة في الفعاليات الثقافية والأدبية، ليظل منارةً للأجيال القادمة.

أسلوب الفلاسي: بساطة الكلمة وعمق المعنى وتأثيره على الساحة الشعرية

يتميز أسلوب الشاعر حميد محمد الفلاسي في الشعر النبطي بعدة سمات تجعله قريباً من قلوب الجماهير، ومؤثراً في وجدانهم. فهو يعتمد على المفردة الإماراتية الأصيلة، التي تنبع من صميم البيئة المحلية، ولكنه يقدمها ببساطة ووضوح، مبتعداً عن التعقيد والغموض. هذه البساطة لا تعني السطحية، بل هي بساطةٌ تحمل في طياتها عمق المعنى وصدق الإحساس، مما يجعله قادراً على الوصول إلى مختلف فئات المجتمع، من الأطفال إلى كبار السن، ويسهم في ترسيخ الشعر النبطي كجزء لا يتجزأ من الثقافة الإماراتية.

يؤمن الفلاسي بفلسفة شعرية مفادها أن "ما يخرج من القلب يصل إلى القلب"، وهي مقولةٌ تجسد جوهر شعره الصادق النابع من تجاربه ومشاعره الصادقة. كما يرى أن القصيدة الناجحة هي القصيدة القصيرة والمعبرة، التي يسهل حفظها وتداولها بين الناس، وتترك أثراً لا يمحى في الذاكرة. وينتقد الشاعر القصائد الطويلة التي يصفها بـ "الاستعراضية"، معتبراً أنها لا تترك أثراً عميقاً في أذهان الناس، ولا تعلق في ذاكرتهم، مؤكداً على أن القيمة الحقيقية للشعر تكمن في قدرته على التعبير عن المشاعر الإنسانية بصدق وإيجاز. هذا التوجه نحو الإيجاز والتركيز على المعنى، يعكس حرص الفلاسي على أن يكون شعره رسالةً واضحةً ومباشرةً، تصل إلى المتلقي دون عناء، وتلامس قضاياه وهمومه.

يغلب على شعر الفلاسي الطابع الوطني، وهو ما يعكس حبه العميق لدولة الإمارات، وتأثره بخلفيته العسكرية. فقصائده الوطنية تتغنى بمنجزات الوطن، وتاريخه العريق، وحكامه الذين بنوا صرح المجد، وتلهم الأجيال القادمة للحفاظ على هذا الإرث العظيم. ولكنه لا يقتصر على هذا الغرض، بل يكتب أيضاً في أغراض شعرية أخرى، كالشعر الغزلي، الذي يقدمه بأسلوبه الخاص، بعيداً عن الابتذال، محافظاً على رقي الكلمة وجمال التعبير، مما يثبت تنوع موهبته وقدرته على الإبداع في مختلف المجالات الشعرية.

لقد ترك حميد الفلاسي بصمة واضحة في المشهد الشعري الإماراتي، فهو ليس مجرد شاعر يلقي القصائد، بل هو معلم وملهم للأجيال الشابة. يشارك بفاعلية في الأمسيات الشعرية والبرامج التلفزيونية، حيث يقدم نصائحه وخبراته للشعراء الناشئين، ويشجعهم على التمسك بأصالة الشعر النبطي وتطويره. إن تأثيره يتجاوز حدود القصيدة المكتوبة، ليصل إلى بناء جيل واعٍ ومثقف، يحمل على عاتقه مسؤولية الحفاظ على التراث الثقافي لدولة الإمارات.

من روائع الفلاسي: قصائد خالدة في الذاكرة

لقد أثرى الشاعر حميد محمد الفلاسي الساحة الشعرية الإماراتية بالعديد من القصائد التي حفرت مكانها في ذاكرة الجمهور، وتناقلتها الألسن. ومن أبرز هذه الروائع:

قصيدة "الله يحبك يا الإمارات"

تُعد هذه القصيدة من أشهر أعمال الفلاسي، وقد حققت انتشاراً واسعاً وتصدرت "الترند" عبر منصات التواصل الاجتماعي. هي في الأصل قصيدة قديمة للشاعر، قام بتحديث مطلعها ونهايتها لتواكب التطورات والأحداث الراهنة في الدولة. تعبر القصيدة عن الفخر بمنجزات الإمارات وتاريخها، وتتغنى بحكامها العظام، واصفاً إياها بـ "سبع دانات"، في إشارة إلى الإمارات السبع التي تشكل الدولة. وقد أعلن الفلاسي عن تنازله عن أي حقوق مادية لهذه القصيدة، مقدماً إياها هديةً لدولة الإمارات وشعبها، ومرحباً بأي فنان يرغب في غنائها وتلحينها كعمل وطني، مما يعكس كرمه وحبه لوطنه.

مطلع القصيدة (مع التشكيل):

اللَّهُ يُحِبُّكِ يَا الْإِمَارَاتِ

يَا عَسَاهُ يَعُودُ عِيدُ الْاِتِّحَادِ

إِشْ تَبِينَ أُهْدِيكِ قِطْعَةً مِنْ فُؤَادِي

لَا حَشَا وَاللَّهِ بِأُهْدِيكِ الْفُؤَادَ

قصيدة المناسبات الوطنية (عيد الاتحاد)

ألقى الفلاسي أبياتاً قصيرة ومعبرة في مناسبة عيد الاتحاد، تجسد الفرحة بهذه المناسبة الغالية، وتبرز مشاعر الحب والولاء للوطن:

مطلع القصيدة (مع التشكيل):

أَجْمَلُ الْأَعْيَادِ عِيدُكِ يَا بِلَادِي

يَا عَسَاهُ يَعُودُ عِيدُ الْاِتِّحَادِ

إِشْ تَبِينَ أُهْدِيكِ قِطْعَةً مِنْ فُؤَادِي

لَا حَشَا وَاللَّهِ بِأُهْدِيكِ الْفُؤَادَ

قصيدة غزلية

بناءً على طلب المذيعين، ألقى الشاعر قصيدة غزلية تظهر تنوع موهبته، وتصف جمال المحبوبة بأسلوب راقٍ وعذب، بعيداً عن المبالغة، ومحافظاً على أصالة الكلمة النبطية:

مطلع القصيدة (مع التشكيل):

يَتْنِي عَلَى مَدِّ النَّظَرِ تَغْزِلُ النُّورَ

كَنَّ الْقَمَرِ مُتَوَقِّدٍ فِي نَحْرِهَا

يَزِفُّهَا نَهْرُ الْحُسْنِ فَوْقَ بَلُّورٍ

مَدْرِي سَبَقَهَا حُسْنُهَا لَوْ عِطْرُهَا

خاتمة

إن الشاعر حميد محمد الفلاسي ليس مجرد ناظم للكلمات، بل هو حارسٌ أمينٌ للهوية الإماراتية، وصوتٌ يصدح بجمال الشعر النبطي وعمق معانيه. لقد استطاع الفلاسي، بصدقه وعفويته، أن يبني جسراً بين الأجيال، وأن يوصل رسالة الشعر إلى كل قلب، وأن يرسخ مكانة الشعر النبطي كفن أصيل ومعاصر. فمن خلال قصائده الوطنية التي تمجد الوطن، والغزلية التي تلامس الوجدان، يظل حميد الفلاسي "صوت الإمارات المعاصر"، الذي يضيء دروب الأدب، ويُثري الذاكرة الجمعية بكنوزٍ من الإبداع الخالد. وسيظل اسمه محفوراً في سجلات الشعر النبطي، كرمزٍ للأصالة والتجديد، وكشاعرٍ أهدى وطنه وشعبه أجمل الكلمات وأصدق المشاعر، ملهماً بذلك الأجيال القادمة للحفاظ على هذا الإرث الثقافي الغني وتطويره.