حجم الخط:(عادي)

<p>يُعدّ حزب التحرير الإسلامي تكتلاً سياسياً ذا غايتين معلنتين؛ تتمثل الأولى في حمل الدعوة إلى الإسلام، والثانية في استئناف الحياة الإسلامية. يقوم الحزب على أساس التغيير الجذري الشامل، لا الترقيعي أو الإصلاحي للأنظمة القائمة على غير الإسلام، ويهدف إلى إقامة الدولة الإسلامية، أي إعادة إنشاء دولة الخلافة الإسلامية. ينشط الحزب في المجالات السياسية والإعلامية والدعوية، متجنباً الأعمال المسلحة، ويعتمد على العمل الفكري والسياسي اقتداءً بمنهج الرسول محمد صلى الله عليه وسلم في المرحلة المكية [1].</p>

<h2>النشأة والتاريخ</h2>

<p>تأسس حزب التحرير في القدس عام 1953م، إبان الحكم الأردني، على يد القاضي العالم تقي الدين النبهاني. جاء تأسيسه بعد دراسة مستفيضة لأحوال العالم الإسلامي عقب سقوط الدولة العثمانية عام 1924م [1]. كان النبهاني قاضياً شرعياً في محكمة الاستئناف بالقدس، وشكّل الحزب على مراحل، بدأت بجهود فردية ثم تطورت إلى قاعدة شعبية. خاض الحزب الانتخابات البرلمانية في المملكة الأردنية الهاشمية عام 1955م، ونجح في إدخال أحد أعضائه، النائب أحمد الداعور، إلى البرلمان [9]. استمر نشاط الحزب بين العلن والسرية، وشهد مراحل من الصراع مع الحكومات في الدول العربية والأجنبية، ومراحل من الانتشار والتوسع الجغرافي [1].</p>

<p>تُسمى القيادة السياسية في الحزب بـ«الإمارة»، ويتولاها «أمير الحزب» الذي يُنتخب داخلياً وتكون إمارته عالمية وغير محدودة المدة. كان تقي الدين النبهاني هو الأمير المؤسس وقاد الحزب حتى وفاته عام 1977م، ثم خلفه عبد القديم زلوم (1977-2003م)، والأمير الحالي هو عطاء بن خليل أبو الرشتة منذ عام 2003م [6].</p>

<h2>العقيدة والفكر</h2>

<p>يصرح حزب التحرير بأن غايته هي استئناف الحياة الإسلامية وحمل الدعوة الإسلامية إلى العالم [4]. يمكن تلخيص أبرز أفكار الحزب في النقاط التالية:</p>

<ul>

<li><strong>وجوب التقيد بالشرع:</strong> الشرع هو مقياس الأفعال في الإسلام، ووجوب تحكيم الحكم الشرعي في الأقوال والأفعال. يرى الحزب أن الإسلام جاء كنظام شامل للحياة، وأن أحكامه الشرعية ليست مجرد عبادات فردية، بل هي قوانين تنظم جميع جوانب الحياة الفردية والجماعية والدولية [1].</li>

<li><strong>الخلافة:</strong> يعتبر الحزب الخلافة هي عين تطبيق الأحكام الشرعية في الواقع، وأنها الطريقة الوحيدة لتطبيق أوامر ونواهي القرآن والسنة في الحياة والدولة والمجتمع. كما يرى أن الخلافة تحمل الدعوة للإسلام إلى الأمم، وتعتبر فرضاً شرعياً على المسلمين إقامتها [1].</li>

<li><strong>سيادة الشرع:</strong> السيادة في الخلافة للشرع وحده، والخلافة شُرعت لتنفيذ الشرع. هذا يعني أن الخليفة ليس له سلطة تشريعية، بل هو منفذ لأحكام الشرع، والأمة هي مصدر السلطات التي تختار الخليفة وتراقبه [1].</li>

<li><strong>بيعة الخليفة:</strong> الخليفة يُبايع من المسلمين، ولا يحق له التسلط عليهم إلا برضاهم واختيارهم، والسلطان في دولة الخلافة للأمة. البيعة هي عقد رضائي بين الأمة والخليفة على السمع والطاعة ما دام يطبق الشرع [1].</li>

<li><strong>وحدة الأمة والخلافة:</strong> الخلافة هي دولة كل المسلمين، والخليفة واحد لا يتعدد، والمسلمون أمة واحدة. نظام الخلافة نظام شرعي رباني، وليس من صنع البشر، ويجب أن يوحد جميع المسلمين تحت راية واحدة [1].</li>

<li><strong>وحدة الخلافة:</strong> الخلافة ليست لها حدود ثابتة، بل تتسع أرضها باستمرار كدولة فاتحة حاملة لواء الدعوة إلى الله والجهاد في سبيله، لا كدولة مستعمرة. يرى الحزب أن الخلافة يجب أن تسعى لنشر الإسلام بالدعوة والجهاد، وأنها لا تعترف بالحدود القومية أو الوطنية [1].</li>

<li><strong>المحافظة على الحياة الإسلامية:</strong> يتم ذلك بالمحافظة على الخلافة، والضامن لاستمرارها هو تركز الأفكار المشكلة للرأي العام وتحولها إلى مفاهيم وقناعات عند الأمة، واستعداد الأمة لبذل الغالي والنفيس في سبيلها. يركز الحزب على بناء الوعي الفكري والسياسي لدى الأمة كخطوة أساسية لإقامة الخلافة [1].</li>

<li><strong>الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:</strong> إيجاد رأي عام حول هذه المفاهيم لضمان نشر الإسلام والحفاظ على الأمة. يرى الحزب أن الجهاد هو ذروة سنام الإسلام، وأنه وسيلة لحمل الدعوة وحماية الدولة الإسلامية [1].</li>

<li><strong>رفض الرأسمالية والديمقراطية:</strong> يرفض الحزب المبادئ الديمقراطية، ويعتبرها أنظمة وضعية لا تتفق مع الإسلام، مما أثار جدلاً واسعاً وانتقادات وصفت الحزب باللاديمقراطي [18]. يرى الحزب أن الديمقراطية تقوم على سيادة الشعب، بينما الإسلام يقوم على سيادة الشرع، وهما نقيضان لا يجتمعان [1].</li>

<li><strong>الأصولية:</strong> يُصنف الحزب ضمن التيارات الأصولية الإسلامية، ويعتبر القرآن والسنة أساس أفكاره السياسية والفكرية، ويرى أنهما ملزمان وقادران على تنظيم الحياة المعاصرة ضمن إطار إسلامي بحت [1]. لا يتخذ الحزب الواقع الفاسد مصدراً للتفكير، بل محلاً لتطبيق الأحكام الشرعية لتغييره جذرياً [1].</li>

</ul>

<h2>الانتشار</h2>

<p>يتخذ حزب التحرير من البلاد الإسلامية مجالاً لعمله بهدف إقامة دولة الخلافة، ولديه ناطقون رسميون ومكاتب إعلامية في عدد من الدول [7]. للحزب انتشار واسع في العالم، أبرزها فلسطين، لبنان، تونس، سوريا، الأردن، تركيا، باكستان، بنغلادش، إندونيسيا، أوزبكستان، طاجيكستان، وقيرغيزستان. كما يتواجد في بعض الدول الغربية كالمملكة المتحدة وأستراليا وروسيا وأوكرانيا. يُحظر الحزب في معظم البلاد العربية والإسلامية، وفي ألمانيا وروسيا [8].</p>

<p>لم يعط الحزب رقماً رسمياً لعدد أعضائه، لكن تقارير إعلامية قدرت أعدادهم بملايين في آسيا الوسطى وإندونيسيا، وبنحو مليون شخص في 58 بلداً حول العالم [17]. تشير هذه التقديرات إلى شعبية واسعة للحزب، خاصة في المناطق التي تشهد صراعات أو فراغاً سياسياً.</p>

<h2>الواقع المعاصر</h2>

<p>في الواقع المعاصر، يواجه حزب التحرير تحديات وانتقادات متعددة. يُتهم الحزب بالتشدد في مواقفه، ورفضه للحلول الوسط بين الإسلام والعلمانية، وعدم قبوله بأنصاف الحلول لتغيير واقع المسلمين [1]. يرى الحزب أن التشريعات الإسلامية ونظام الخلافة صالح لكل العصور، وأن شقاء المسلمين اليوم ناتج عن غياب تطبيق الإسلام [1].</p>

<p>تتضارب الانتقادات الموجهة للحزب؛ فمن جهة يتهمه الكثير من الإسلاميين والعلمانيين بأنه حزب تنظير يكتفي بالكلام ويريد تغيير الواقع بالتنظير فقط، لرفضه القاطع للأعمال المادية والثورات المسلحة [19]. ومن جهة أخرى، يرفض الكثير من المتطرفين نظرة الحزب إلى عدم جواز المجابهة المسلحة مع الأنظمة، ويتهمونه بتعطيل الجهاد والاكتفاء بالانتظار لقدوم الخليفة [19]. يرد الحزب بأن إقامة الخلافة ليست انتظاراً، بل هي أعمال مخصوصة، وأن الأفكار التي زرعها في الأمة قد آتت أكلها بتحويل الرأي العام لصالح إقامة الدولة الإسلامية [1].</p>

<p><strong>النقد والجدل:</strong></p>

<p>يواجه حزب التحرير نقداً وجدلاً واسعاً من عدة أطراف، يمكن تلخيصها في النقاط التالية:</p>

<ul>

<li><strong>رفض العنف والعمل المسلح:</strong> يرفض الحزب بشكل قاطع استخدام العنف أو العمل المسلح لتحقيق أهدافه، ويرى أن التغيير يجب أن يكون فكرياً وسياسياً [4] [5]. هذا الموقف يثير جدلاً بين من يرى فيه سلبية وتخاذلاً عن نصرة قضايا المسلمين، وبين من يراه حكمة وبعد نظر لتجنب سفك الدماء [19].</li>

<li><strong>موقفه من الديمقراطية:</strong> يعتبر الحزب الديمقراطية نظاماً كفرياً لا يجوز الأخذ به، لأنه يقوم على سيادة الشعب بدلاً من سيادة الشرع [1]. هذا الموقف يجعله في صدام مع التيارات الليبرالية والعلمانية، ويُتهم بالديكتاتورية وعدم قبول الآخر [18].</li>

<li><strong>العلاقة مع الجماعات الإسلامية الأخرى:</strong> يختلف حزب التحرير مع العديد من الجماعات الإسلامية الأخرى في المنهج والأهداف. فبينما تركز بعض الجماعات على الإصلاح الاجتماعي أو الدعوي، يركز حزب التحرير على إقامة الخلافة كهدف أوحد [1]. هذا الاختلاف يؤدي إلى اتهامات متبادلة، حيث يتهم الحزب الجماعات الأخرى بالترقيع والتنازل عن أصول الدين، بينما تتهمه الجماعات الأخرى بالجمود الفكري والتطرف [1].</li>

<li><strong>الاتهامات بالإرهاب:</strong> على الرغم من رفض الحزب للعنف، إلا أنه يُتهم بالإرهاب في بعض الدول، خاصة في أوزبكستان، حيث اتُهم بضلوعه في أعمال إرهابية، وهو ما ينفيه الحزب بشدة [71]. كما يُصنف في بعض الدول الغربية ضمن المنظمات المتطرفة، ويُمنع نشاطه في ألمانيا بحجة إضراره بفكرة تفاهم الشعوب لإيمانه بوجوب إزالة دولة إسرائيل [8].</li>

</ul>

<p>تُظهر استطلاعات الرأي في العالم الإسلامي، مثل تلك التي أجرتها منظمة «غالوب» ومركز «بيو» للأبحاث، تأييداً واسعاً لتطبيق الشريعة الإسلامية كقانون رسمي في العديد من الدول، وهو ما يراه الحزب دليلاً على نجاح مسيرته في إحياء فكرة الخلافة [69] [70]. في المقابل، يزداد اهتمام الدول الغربية ومخابراتها بالحزب، ويُتهم بالإرهاب رغم عدم وجود أدلة مباشرة، لكن فكره المتشدد يُنظر إليه على أنه يخلق جواً مواتياً للكراهية والعنف [66] [67]. وقد مُنع الحزب في ألمانيا بحجة إضراره بفكرة تفاهم الشعوب لإيمانه بوجوب إزالة دولة إسرائيل، وفي أوزبكستان اتُهم بضلوعه في أعمال إرهابية، وهو ما ينفيه الحزب بشدة [71].</p>

<h2>الخاتمة</h2>

<p>يظل حزب التحرير الإسلامي تكتلاً سياسياً وفكرياً مؤثراً في العالم الإسلامي وخارجه، يتميز بوضوح رؤيته حول إعادة الخلافة الإسلامية وتطبيق الشريعة. على الرغم من الانتشار الواسع والتأثير الفكري، يواجه الحزب تحديات كبيرة تتعلق بموقفه من العمل السياسي والتغيير، والعلاقة مع الأنظمة الحاكمة، فضلاً عن الانتقادات الموجهة إليه من أطراف مختلفة. يبقى الحزب جزءاً مهماً من المشهد الإسلامي المعاصر، ومحط أنظار الباحثين والمهتمين بحركات الإسلام السياسي.</p>

<h2>المراجع</h2>

<p>[1] حزب التحرير - ويكيبيديا. متاح على: https://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%AD%D8%B2%D8%A8_%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%AD%D8%B1%D9%8A%D8%B1

[4] التعريف بحزب التحرير.

[5] حزب التحرير ينفي اتهامه بالجمود بذكرى سقوط الخلافة. الجزيرة.

[6] الموقع الرسمي لأمير حزب التحرير.

[7] الناطقون الرسميون باسم حزب التحرير.

[8] بزوغ نور من المسجد الأقصى: انطلاقة مسيرة حزب التحرير.

[9] تقرير جريدة الغد الأردنية عن حجب الثقة عن حكومة الشريف حسين بن ناصر.

[17] تقرير قناة الجزيرة عن عدد أعضاء التنظيم في العالم.

[18] إصرار الحزب على التمسك بالإسلام فكرة وطريقة وعدم تقبله لمبادئ الديمقراطية.

[19] الانتقادات الموجهة للحزب.

[66] شهادة زينو باران أمام الكونغرس الأمريكي.

[67] تحذيرات من خطر حزب التحرير على المصالح الأمريكية.

[69] مسح مركز أبحاث بيو 2013.

[70] مسح مركز بيو 2017.

[71] اتهامات للحزب في أوزبكستان.</p>