حجم الخط:(عادي)

<h2>مقدمة</h2><p>تُعدّ حركة النهضة التونسية، التي تأسست في عام 1981م، إحدى أبرز الحركات الإسلامية السياسية في العالم العربي، والتي خاضت تجربة فريدة في التوفيق بين المرجعية الإسلامية والممارسة الديمقراطية. شهدت الحركة تحولات عميقة في فكرها ومسارها السياسي، خاصة بعد ثورة 2011 التي أطاحت بنظام زين العابدين بن علي، مما أتاح لها فرصة المشاركة في الحكم وتطبيق رؤاها السياسية. يهدف هذا المقال إلى استعراض شامل لحركة النهضة، بدءًا من نشأتها وتاريخها، مرورًا بفكرها السياسي الذي صاغه زعيمها راشد الغنوشي، وصولًا إلى تجربتها الديمقراطية والواقع الراهن الذي تواجهه الحركة في المشهد التونسي المعاصر. سيتناول المقال هذه الجوانب بموضوعية تامة، معتمدًا على المصادر الأصيلة لتحليل مسيرة الحركة وتأثيرها على الحياة السياسية والاجتماعية في تونس.</p><h2>النشأة والتاريخ</h2><p>تعود جذور حركة النهضة إلى أواخر الستينيات وبداية السبعينيات من القرن الماضي، حيث التقى المؤسسون الأوائل، وعلى رأسهم <a href="https://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%B1%D8%A7%D8%B4%D8%AF_%D8%A7%D9%84%D8%BA%D9%86%D9%88%D8%B4%D9%8A">راشد الغنوشي</a> [1]، <a href="https://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%B9%D8%A8%D8%AF_%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%AA%D8%A7%D8%AD_%D9%85%D9%88%D8%B1%D9%88">وعبد الفتاح مورو</a> [1]، <a href="https://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%A3%D8%AD%D9%85%D9%8A%D8%AF%D8%A9_%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%8A%D9%81%D8%B1">وأحميدة النيفر</a> [1]، في إطار ما عُرف بـ «الجماعة الإسلامية» [1]. كان أول لقاء تنظيمي للحركة في أبريل 1972م، وعُرف بـ «اجتماع الأربعين» في مدينة مرناق بضواحي تونس العاصمة [1]. اقتصر نشاط الجماعة في بداياته على الجانب الفكري والدعوي، من خلال إقامة حلقات في المساجد والتركيز على جمعيات المحافظة على القرآن الكريم [1].</p><p>في البداية، لقيت الجماعة ترحيبًا ضمنيًا من الحزب الاشتراكي الدستوري الحاكم آنذاك، الذي رأى فيها سندًا في مواجهة اليسار [1]. بدأ النشاط الطلابي للحركة في عام 1971م، وفي عام 1972م، بدأت مجلة المعرفة بنشر أفكار الجماعة، لتصبح المنبر الفعلي لها [1]. تعرض قادة الحركة للاعتقال في مارس 1972م، لكن أُطلق سراحهم بعد تدخلات [1].</p><p>شهدت الفترة بين عامي 1977م و1979م خروج مجموعة من «اليسار الإسلامي» من الحركة، أبرزهم أحميدة النيفر وصلاح الدين الجورشي، بسبب عدم اتفاقهم مع بعض أفكار الحركة [1]. في الفترة من 11 إلى 13 أغسطس 1979م، عُقد المؤتمر الأول المؤسس للجماعة الإسلامية سرًا في منوبة، بمشاركة 60 شخصًا، حيث تمت المصادقة على قوانينها الداخلية [1].</p><p>أعلنت الحركة عن نفسها رسميًا في 6 يونيو 1981م تحت اسم «حركة الاتجاه الإسلامي»، ولم يُعترف بها كحزب سياسي إلا في 1 مارس 2011م، بعد الثورة التونسية [1]. فازت حركة النهضة في انتخابات 23 أكتوبر 2011م، وشكلت حكومة ائتلافية (الترويكا) مع حزبين آخرين، بقيادة حمادي الجبالي وعلي العريض [1]. في انتخابات 2014م، حلت الحركة في المرتبة الثانية وشاركت في حكومة الحبيب الصيد [1].</p><p>في عام 2016م، اتخذت الحركة قرارًا بفصل الدعوي عن السياسي، وتحولت إلى حركة مدنية، معلنة التزامها بالديمقراطية وتداول السلطة واحترام حقوق الإنسان [1] [3].</p><h2>العقيدة والفكر</h2><p>تُعدّ حركة النهضة التونسية، ومنذ نشأتها، تيارًا فكريًا وسياسيًا يستلهم مبادئه من المرجعية الإسلامية، مع تطور ملحوظ في رؤاها حول العلاقة بين الإسلام والديمقراطية. يبرز <a href="https://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%B1%D8%A7%D8%B4%D8%AF_%D8%A7%D9%84%D8%BA%D9%86%D9%88%D8%B4%D9%8A">راشد الغنوشي</a> [2]، زعيم الحركة، كأحد أبرز المفكرين المعاصرين في أوساط الإسلام السياسي، حيث أسهم بشكل كبير في صياغة الفكر السياسي للحركة، خاصة فيما يتعلق بقضايا الحريات والديمقراطية [2].</p><p>يُعرف الغنوشي بتنظيره للعمل السياسي الحزبي ضمن الإطار الإسلامي الحديث، وقد أصبح مرجعًا في التدافع السلمي كبديل للصراع الثوري [2]. وقد أكد الغنوشي على أن الإسلام والديمقراطية ليسا متناقضين، بل يمكن أن يؤدي الجمع بينهما إلى سياسات مستقرة [3].</p><p>شهد فكر حركة النهضة تحولًا مهمًا في عام 2016م، حيث أعلنت الحركة عن تخليها عن مصطلح «الإسلام السياسي» وتبنيها لـ «الديمقراطية الإسلامية» [3]. وقد أوضح الغنوشي أن هذا التحول جاء لتمييز الحركة عن الجماعات العنيفة التي استولت على مصطلح «الإسلام السياسي» ومنحته دلالة سلبية، مثل تنظيمي القاعدة والدولة الإسلامية [3]. وبذلك، تسعى الحركة لتقديم نفسها كـ «حزب وطني ديمقراطي مكرّس للإصلاح، ويقوم على مرجعية وطنية مستمدّة من القيم الإسلامية» [3].</p><p>يُعتبر هذا التحول الفكري بمثابة استجابة لمتغيرات الواقع السياسي والاجتماعي، ويهدف إلى طمأنة الأطراف العلمانية في تونس والمجتمع الدولي بأن الحركة تتبنى موقفًا حازمًا من التطرف [3]. كما يعكس هذا التطور إيمان الحركة بضرورة الفصل بين النشاطات السياسية والدينية، مع الحفاظ على القيم الإسلامية كمرجعية حضارية [3].</p><h2>الانتشار</h2><p>تجلّى انتشار حركة النهضة بشكل رئيسي ضمن المشهد السياسي التونسي، حيث استطاعت الحركة أن تحظى بقاعدة شعبية واسعة، مكنتها من الفوز في أول انتخابات ديمقراطية بعد ثورة 2011 [1]. وقد أظهرت نتائج الانتخابات التشريعية لعام 2011 حصولها على أغلبية الأصوات، مما سمح لها بتشكيل الحكومة بالتحالف مع أحزاب أخرى [1].</p><p>على الرغم من أن انتشار الحركة الجغرافي المباشر يتركز داخل تونس، إلا أن تجربتها السياسية، وخاصة تحولها من «الإسلام السياسي» إلى «الديمقراطية الإسلامية»، قد أثرت على النقاشات الفكرية والسياسية في المنطقة [3]. فقد اعتبرت الحركة نموذجًا للحركات الإسلامية التي تسعى للتكيف مع متطلبات الديمقراطية الحديثة [1] [3].</p><p>تاريخيًا، ارتبطت حركة النهضة بعلاقات مع تيارات إسلامية أخرى في المنطقة، ولكن بعد تحولها إلى حزب مدني، ركزت بشكل أكبر على الشأن الداخلي التونسي [3]. ومع ذلك، فإن مسيرتها وتحدياتها تظل محط أنظار العديد من الباحثين والسياسيين في العالم العربي، كدراسة حالة لتفاعل الإسلام مع الديمقراطية [3].</p><h2>الواقع المعاصر</h2><p>شهدت حركة النهضة التونسية بعد ثورة 2011 تجربة ديمقراطية فريدة، حيث انتقلت من حركة معارضة إلى لاعب رئيسي في المشهد السياسي التونسي. فازت الحركة في انتخابات 2011 وشكلت حكومة الترويكا، ثم شاركت في حكومات ائتلافية لاحقة [1]. وقد أعلنت الحركة التزامها بالديمقراطية وتداول السلطة واحترام حقوق الإنسان، ومنح المرأة حقوقًا واسعة [1].</p><p>على الرغم من نجاحها في الانتقال الديمقراطي، واجهت حركة النهضة تحديات كبيرة. ففي عام 2018، اتهمت الحركة بتشكيل منظمة سرية واختراق قوات الأمن والقضاء، كما زُعم تورطها في اغتيالات سياسية، وهي اتهامات نفتها الحركة بشدة [1].</p><p>في السنوات الأخيرة، شهدت حركة النهضة تراجعًا ملحوظًا على المستويين السياسي والتنظيمي، وتقلصًا في قاعدة مؤيديها [4]. كما واجهت الحركة أزمة داخلية وتقاطعت مع أزمة البلاد بعد أحداث 25 يوليو 2021، مما أدى إلى تحركات برلمانية لحل الحركة [4]. هذه التحديات دفعت الحركة إلى مراجعة فكرية وتنظيمية، والدعوة إلى تجديد ذاتي كمدخل لحل الأزمة الوطنية [4].</p><p>تظل حركة النهضة، رغم التحديات، واحدة من أهم الحركات السياسية في تونس، وتجربتها في التوفيق بين المرجعية الإسلامية والممارسة الديمقراطية تثير اهتمامًا واسعًا على الصعيدين الإقليمي والدولي [3].</p><h2>خاتمة</h2><p>تُجسّد حركة النهضة التونسية مسيرة حافلة بالتحولات والتحديات، بدءًا من نشأتها كحركة دعوية إسلامية وصولًا إلى تحولها كحزب سياسي مدني يتبنى الديمقراطية. لقد أثبتت الحركة قدرتها على التكيف مع المتغيرات السياسية والاجتماعية، وقدمت نموذجًا فريدًا في التوفيق بين المرجعية الإسلامية والممارسة الديمقراطية في سياق عربي. ورغم النجاحات التي حققتها في المشهد السياسي التونسي بعد ثورة 2011، إلا أنها واجهت وتواجه تحديات جمة، من اتهامات داخلية إلى تراجع في شعبيتها، مما دفعها إلى مراجعات فكرية وتنظيمية مستمرة.</p><p>إن تجربة حركة النهضة تظل محط أنظار الباحثين والمهتمين بالشأن السياسي والديني، كونها تقدم دراسة حالة غنية حول إمكانية تعايش الإسلام والديمقراطية، والتحديات التي تواجه الحركات الإسلامية في سعيها للمشاركة في الحكم ضمن الأطر الديمقراطية. ويظل مستقبل الحركة مرهونًا بقدرتها على التجديد الذاتي، وتجاوز العقبات الراهنة، والمحافظة على مبادئها مع التكيف مع متطلبات الواقع التونسي المتغير.</p><h2>المراجع</h2><p>[1] <a href="https://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%AD%D8%B1%D9%83%D8%A9_%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%87%D8%B6%D8%A9_(%D8%AA%D9%88%D9%86%D8%B3)">حركة النهضة (تونس) - ويكيبيديا</a></p><p>[2] <a href="https://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%B1%D8%A7%D8%B4%D8%AF_%D8%A7%D9%84%D8%BA%D9%86%D9%88%D8%B4%D9%8A">راشد الغنوشي - ويكيبيديا</a></p><p>[3] <a href="https://www.washingtoninstitute.org/ar/policy-analysis/mn-alaslam-alsyasy-aly-aldymqratyt-alaslamyt-hrkt-alnhdt-altwnsyt-tghywr-msarha">من الإسلام السياسي إلى الديمقراطية الإسلامية: «حركة النهضة» التونسية تغيّر مسارها | The Washington Institute</a></p><p>[4] <a href="https://trendsresearch.org/ar/insight/%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D8%AC%D8%B9-%D8%AD%D8%B1%D9%83%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%87%D8%B6%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%88%D9%86%D8%B3%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B3%D8%A8%D8%A7%D8%A8-%D9%88%D8%A7/?srsltid=AfmBOoqlO0ffDSv0gPcChcIZ1arGFQucEZnJGfCd2BQTdC3kE6d9IrOU">تراجع حركة النهضة التونسية.. الأسباب والدلالات</a></p>