في يناير 2026، نشر صندوق النقد الدولي توقعاته للاقتصاد العالمي. كانت الصورة متفائلة بحذر: نمو عالمي بنسبة 3.2%، تراجع تدريجي للتضخم، وتعافٍ نسبي في الأسواق الناشئة. بعد أقل من ثلاثة أشهر، تغيّرت معطيات كثيرة.
الحرب على إيران في مارس 2026 جاءت لتُضيف عاملاً جديداً إلى معادلة الاقتصاد العالمي المعقّدة أصلاً. لكن لفهم الصورة الكاملة، لا بد من النظر إلى ما كان قائماً قبل الأزمة.
ما كان يحدث قبل الأزمة
الاقتصاد الأمريكي كان يُظهر متانة لافتة. معدل البطالة عند أدنى مستوياته منذ عقود. التضخم تراجع من ذروته في 2022-2023 إلى مستويات أكثر قبولاً. الاحتياطي الفيدرالي بدأ يُخفّف من سياسته النقدية المتشددة.
الاقتصاد الصيني كان يُعاني من تباطؤ ملحوظ. أزمة القطاع العقاري لم تُحلّ بعد، والطلب الداخلي أضعف من المتوقع. لكن الصين ضخّت حوافز اقتصادية ضخمة لدعم النمو.
أوروبا كانت تتعافى ببطء من صدمة الطاقة التي أحدثتها الحرب الروسية الأوكرانية. الاقتصاد الألماني، المحرك الأوروبي الرئيسي، كان لا يزال يُعاني.
تأثير الأزمة الإيرانية على الاقتصاد العالمي
الأزمة الإيرانية أضافت ثلاثة عوامل ضغط جديدة على الاقتصاد العالمي:
العامل الأول هو ارتفاع أسعار الطاقة. كل ارتفاع بمقدار 10 دولارات في سعر برميل النفط يُكلّف الاقتصاد العالمي ما يُقدَّر بـ 0.2% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي. وقد ارتفعت الأسعار بأكثر من 14 دولاراً في أسبوعين.
العامل الثاني هو اضطراب سلاسل التوريد. مضيق هرمز ليس ممراً للنفط فقط، بل يمر عبره أيضاً جزء مهم من التجارة العالمية. أي اضطراب فيه يُعطّل سلاسل التوريد العالمية.
العامل الثالث هو تراجع ثقة المستثمرين. حالة عدم اليقين الجيوسياسي تجعل المستثمرين أكثر تحفظاً في اتخاذ قرارات الاستثمار طويلة الأمد.
الفرص وسط الأزمة
لكن الأزمات لا تُنتج خسائر فقط، بل تُنتج أيضاً فرصاً. شركات الطاقة المتجددة تجد في ارتفاع أسعار النفط حافزاً إضافياً للاستثمار في بدائل الطاقة. الدول التي تمتلك احتياطيات نفطية كبيرة تجد في الأزمة فرصة لتعزيز مواردها المالية.
الاقتصادات الناشئة التي تمتلك موارد طبيعية بديلة، كالغاز الطبيعي في قطر وأذربيجان، تجد طلباً متزايداً على صادراتها.
التوقعات للأشهر القادمة
إذا انتهت الأزمة بسرعة، يُمكن أن يتعافى الاقتصاد العالمي خلال ربع سنة. لكن إذا استمرت، فإن التوقعات تُشير إلى تراجع النمو العالمي إلى ما دون 2.5%، وهو ما يُعادل حالة ركود اقتصادي في بعض الدول.
الدرس الأكبر الذي يُعلّمه هذا الواقع هو أن الاقتصاد العالمي لا يزال هشاً أمام الصدمات الجيوسياسية. وأن بناء اقتصادات أكثر مرونة وأقل اعتماداً على مصادر طاقة واحدة أو ممرات بحرية بعينها هو ضرورة استراتيجية لا ترف.