في رحاب الشعر النبطي، حيث تتجلى أصالة الكلمة وصدق التعبير، يبرز اسم الشاعر فلاح بن راجح العراك المطيري، قامة شعرية شامخة، استطاعت أن تحفر اسمها في ذاكرة الأدب الشعبي الخليجي. لم يكن مجرد ناظم للقصائد، بل كان صوتًا حقيقيًا للصحراء، يترجم ببراعة مشاعرها، ويسرد حكاياتها، ويجسد قيمها الأصيلة في أبيات تلامس الوجدان وتأسر القلوب. لقد رحل عنا جسدًا، لكن روحه الشعرية لا تزال حية في كل بيت خطه، وفي كل قافية أبدعها، لتظل منارًا يهتدي به عشاق الشعر النبطي.
سيرة شاعر من قلب الصحراء
ولد الشاعر فلاح بن راجح العراك المطيري في بيئة صحراوية أصيلة، ضمن قبيلة مطير العريقة، التي اشتهرت بفرسانها وشعرائها. لم تتوفر معلومات دقيقة حول سنة ميلاده، إلا أن نشأته في هذه البيئة الغنية بالتراث والثقافة الشعبية كان لها الأثر البالغ في صقل موهبته الشعرية الفذة. من رمال الصحراء الذهبية، ومن خيام البدو الرحل، استلهم العراك مفرداته وصوره الشعرية، ليقدم لنا شعرًا ينبض بالحياة، ويحمل في طياته عبق الماضي وأصالة الحاضر.
تميز شعره بالجزالة والمتانة، وبالقدرة الفائقة على التصوير البلاغي، مما جعله محط إعجاب وتقدير كبار الشعراء والنقاد. لم يكن شعره مقتصرًا على موضوع واحد، بل تنوعت أغراضه بين الفخر والحكمة، والغزل والوصف، والمراسلات الشعرية التي خاضها مع شعراء عصره، مثل الشاعر العواي والشاعر صحن بن قويعان المطيري، والتي أظهرت براعته في فن المساجلة الشعرية وقدرته على الرد السريع والمتقن.
لقد ترك الشاعر فلاح العراك المطيري بصمة واضحة في الساحة الشعبية، فكانت قصائده مرآة تعكس الحياة الاجتماعية في عصره، وتوثق عادات وتقاليد أهل البادية. كان صاحب مفردات صلبة ومركزة، يختارها بعناية فائقة لتؤدي المعنى بدقة وعمق، سواء في وصف الطبيعة الصحراوية الخلابة، أو في التعبير عن مشاعر الفخر والاعتزاز بالقبيلة والأصل، أو في سرد الحكايات التي تحمل في طياتها العبر والحكم.
رحيل قامة شعرية
فقدت الساحة الشعرية الخليجية والعربية الشاعر فلاح بن راجح العراك المطيري مساء يوم الأحد الموافق 10 ديسمبر 2023، بعد معاناة مع المرض. كان رحيله خسارة كبيرة للأدب الشعبي، لكن إرثه الشعري الغني سيظل خالدًا، يتناقله الأجيال، ويستلهمون منه جمال الكلمة وعمق المعنى. لقد صلى عليه في جامع الشريع بحفر الباطن، تاركًا خلفه ديوانًا من القصائد التي ستبقى محفورة في وجدان محبيه.
من درر قصائده
من أشهر قصائد الشاعر فلاح العراك المطيري، تلك التي تبدأ بـ
```
رَاكِبٍ لِلِّي بَايِع الْقَشْع مَا كَدَّهْ
مَا تَرَدَّدْ بَيْن لَيْنَه وَسَامُودَهْ
حَوَّلُوهُ مِنْ الْمَصَانِعِ عَلَى جِدَّهْ
تَوّ لَوْحَاتِه عَلَى الْجَمْسِ مَشْدُودَهْ
سَائِقُهُ مِنْ سُرْعَتِهِ مَا لَحِقَ حَدَّهْ
كُلّ عُودٍ فِي مَكَانِهِ مَا هُوَ عُودَهْ
أَشْقَرٍ سَلْمَان وَقْت الْقَنَصِ هَدَّهْ
وَالْحَبَارَى بِأَشْقَرِ الرِّيشِ مَصْيُودَهْ
```
الخاتمة: إرث باقٍ
برحيل الشاعر فلاح العراك المطيري، فقد الشعر النبطي أحد فرسانه، لكنه ترك خلفه إرثًا شعريًا ثريًا، سيظل مصدر إلهام للشعراء وعشاق الشعر على مر الأجيال. لقد كان بحق صوتًا من قلب الصحراء، عبر عن أصالتها وجمالها وقيمها بأروع الصور وأعذب الألحان. ستبقى قصائده شاهدة على موهبته الفذة، وعلى حبه العميق لتراثه ووطنه، وستظل منارة تضيء دروب الشعر النبطي، وتحفظ للأجيال القادمة جزءًا أصيلًا من تاريخهم وثقافتهم.