مقدمة أدبية
في رحاب الأدب، تتجلى أرواحٌ أبت أن تذوي، فخلدت في ذاكرة الأمة بوهجٍ لا يخبو. ومن بين تلك الأرواح السامقة، يبرز اسم الشاعر الكويتي الكبير فهد راشد بورسلي، الذي لم يكن مجرد ناظمٍ للكلمات، بل كان نبضًا حيًا يعكس آمال مجتمعه وآلامه، ومرآةً صادقةً تجلت فيها تفاصيل الحياة الكويتية في زمنٍ مضى. لقد كان بورسلي، بأسلوبه الشعري الفريد، صوتًا شعبيًا أصيلًا، ترجم بصدقٍ وعمقٍ هموم الناس وقضاياهم، فكانت قصائده وثائق حيةً تسرد تاريخًا اجتماعيًا وسياسيًا لدولة الكويت، وتظل حتى اليوم منارةً للأجيال، تُضيء دروب الفن والأدب.
سيرة موثقة: حياة شاعر الشعب
وُلد الشاعر فهد بن راشد بن ناصر بورسلي في عام 1918م، في منطقة شرق بمدينة الكويت، وتحديدًا في فريج العاقول. نشأ في كنف عائلةٍ عريقةٍ وميسورة الحال، فوالده كان من كبار رجال البحر وتجار اللؤلؤ، يمتلك العديد من السفن التجارية. تلقى فهد بورسلي علومه الأولية في الكُتّاب، حيث درس القرآن الكريم والخط والحساب، كما تلقى دروسًا خاصةً على يد علي المجرن. تأثر بورسلي بوالده الذي كان شغوفًا بالشعر النبطي ويحفظ الكثير منه، وكذلك خاله الشاعر ملا علي الموسى والشاعر العبيدي، وكلاهما من شعراء الكويت الشعبيين المرموقين. هذه البيئة الشعرية الغنية صقلت موهبة فهد بورسلي، فبدأ ينظم الشعر منذ صباه وشبابه المبكر، متتبعًا الأساليب السائدة في عصره. ومع مرور الوقت، تطور أسلوبه ليصبح أكثر التصاقًا باللهجة العامية الكويتية، مما جعله قريبًا من قلوب الناس.
طغت شهرة بورسلي لتناوله مواضيع حساسة وملتصقة بحياة المواطن، ومرتبطة بأوثق الارتباطات بحياته اليومية. فقد تناول في شعره قضايا مثل أزمة المياه، والتمويل، والكهرباء، وغيرها من القضايا الاجتماعية والسياسية التي كانت تشغل المجتمع الكويتي في خمسينيات القرن الماضي. كانت أشعاره بمثابة المرآة العاكسة للأوضاع الاجتماعية والسياسية في المجتمع الكويتي، خاصةً في ظل ندرة المجلات والصحف آنذاك. كان العديد من الوجهاء والأعيان وذوي السلطة على اتصال دائم به، يستمعون إلى قصائده ويرددونها، مما يؤكد مكانته كـ شاعر شعبي حقيقي. كما كان الشاعر فهد بورسلي كثير السفر مع والده إلى الهند، وتردد على البحرين والسعودية وجنوب العراق، مما أكسبه إتقانًا للغة الهندية واطلاعًا على ثقافتها، وكان معجبًا بالشاعر الهندي رابندرانات طاغور [1].
من أشعاره: نبض الشعب وصدى الوطن
تنوعت قصائد فهد بورسلي بين الغزل والوصف، وبين القصائد الوطنية والاجتماعية التي لامست قضايا مجتمعه. وقد تميزت قصائده بعمق المعنى وسلاسة اللفظ، مما جعلها سهلة الحفظ والترديد. إليكم بعضًا من أشهر قصائده:
في الشوق والغزل:
يُعد بورسلي من الشعراء الذين أجادوا في وصف المشاعر الإنسانية، خاصةً في قصائد الشوق والغزل. ومن أشهر قصائده في هذا الباب:
جَزَى البَارِحَة جَفْنِي عَنِ النَّوْمِ > جَزَى مِنْ غَرَابِيلِ الزَّمَانِ > صَبَرْتُ أَمْسِ مَعْ قَبْلِ أَمْسِ وَالْيَوْمِ > وَأَشُوفُ الْعَشْرَ تَصْفِي ثَمَانِي > عَذَابٌ عَلَى الْعُشَّاقِ مَقْسُومٌ > تَوَلَّعْتُ يَوْمَ اللَّهِ بَلَانِي > يَلْزَمُ عَلَيَّ الشَّوْقُ تَلْزُومٌ > وَأَنَا يَوْمَ لَزَمْتُهُ عَصَانِي > سَجِيمُ الْهَوَى مَا يَسْمَعُ اللَّوْمَ > حَنِينُ الْجَفَا سَدَّ الْأَذَانِي > شَرِيفٌ عَلَى التَّكْيَاتِ مَخْدُومٌ > وَلَا هُوَ مِنَ الطِّرْزِ الْجَبَانِي > طَرِيحٌ عَنِ اللَّذَّاتِ مَحْرُومٌ > صَوَابَةُ خَطَرٍ بَيْنَ الْمَحَانِي
في الوطنية وقضايا الأمة:
لم يكن فهد بورسلي بمعزل عن قضايا أمته ووطنه، بل كان شاعرًا وطنيًا بامتياز، عبّر عن مشاعر الفخر والاعتزاز بوطنه، وعن هموم الأمة العربية. ومن قصائده التي قيلت ترحيبًا بعودة الشيخ أحمد الجابر الصباح من سفره:
مَرْحَبًا يَا مَرْحَبًا بِكَ يَا هَلَا > عَدَّ مَا يَجْنُونَ مِنْ وَرْدِ الزُّهُورِ > وَالتَّحِيَّةُ مَا سَجَعَ طَيْرُ الْفَلَا > وَاخْلَفَ بِالرَّوْضِ تَغْرِيدُ الطُّيُورِ > مِنْ قُدُومِ الشَّيْخِ عَالِي الْمَنْزِلَا > فِي بِلَادِهِ صَارَ نُورٌ فَوْقَ نُورِ > بِالسَّنَةِ عِيدَيْنِ الثَّالِثُ حَلَا > فِي قُدُومِ ابْنِ أَحْمَدَ يَزِيدُ السُّرُورِ > كُلُّ شَيْخٍ عَنْ غِيَابِكَ مَا سَلَا > بِانْتِظَارِكَ جَابِرُ الشَّهْمِ الْوَقُورِ > قَرَّتِ الْعَيْنَيْنِ وَالْجَوُّ امْتَلَا > بِالْفَرَحِ وَالنُّورِ وَالضِّدِّ مَعْثُورِ > كَمْ صَدِيقٍ فَازَ وَالْهَمُّ انْجَلَى > مِنْ قُدُومِ الضَّارِي الْحَبْرِ الْغَيُورِ
كما كان له موقفٌ شعريٌّ واضحٌ من قضية فلسطين والعدوان الصهيوني عليها عام 1948، حيث نظم ألفيةً يستحث فيها همم العرب لتحريرها. ومنها:
أَلِفْ آهٍ مِنَ الدَّهْرِ وَأَيَّامِهِ > ذَلَّلَ مَعَازِيبَهُ وَرَفَعَ خَدَّامَهُ > الْبَاءُ بَعْدَ مَا تَرْجِعُ أَيَّامُ السُّعُودِ > وَلَا ظَنَّ الْمَاضِي الْأَوَّلَ يَعُودُ > مَنْ يَظُنُّ تَصِيرُ كَلِمَةٌ لِلْيَهُودِ > صَارَتِ الْكَلِمَةُ وَحَصَلَ قَسَامَةُ > التَّاءُ تَحَيَّرْنَا وَلَا يَحْصُلُ دُرُوبٌ > فِي بِلَادَيْنِ الْأَهْلِ غُرُوبٌ > صَاحَ تَارِيخُ الْعَرَبِ وَيْنِ الْعَرَبُ > يَحْيَا مَجْدُ الْعَرَبِ وَيْنِ أَيَّامِهِ > الثَّاءُ ثَبَتَ عِنْدِي خَبَرٌ عِنْدِي خَبَرٌ > الْحَيَاةُ بِعِزٍّ وَإِلَى لِلْقَبْرِ > يَا نَسْلَ قَحْطَانَ إِلَى وَيْنِ الصَّبْرُ > هَا الْمَبَادِئُ لِي جَاءَتْكُمْ هَدَّامَةُ > الْجِيمُ جَاءُونَا مِنْ أُورُوبَا مُشَرَّدِينَ > شَالْعَجَبِ حَنَّا نُضِيفُ التَّائِهِينَ > كُلُّ بِلَادَيْنِ الْعَرَبِ وَالْمُسْلِمِينَ > الْوَفَا وَالدِّينُ عِنْدَ إِسْلَامِهِ > الْحَاءُ حَلَالُ النَّاسِ يَسْبُونَهُ سَبِي > خَالَفُونَا وَخَالَفُوا دِينَ النَّبِيِّ > قَاطِعُوهُمْ مِنْ كَبِيرٍ وَمِنْ صَبِيٍّ > خَلُّوا تَبُورَ السِّلَعِ بِالْجَامَةِ > الْخَاءُ خَلَايَا مِنَ الْوَفَا بَسِ الْغَدْرِ > بِالْخِيَانَةِ وَالْخَدِيعَةِ وَالْمَكْرِ > الْيَهُودُ السِّلُّ وَالدَّاءُ الْخَطَرُ > لِي سَرَى فِي الشَّعْبِ سَلَّ عِظَامَهُ > الدَّالُ دَوْلَتُكُمْ تَبِي عِزًّا وَنَصْرًا > يَا مُلُوكَ الْعَرَبِ حَصَرُوهُمْ حَصْرًا > يَا حِجَازِيُّ يَا عِرَاقِيُّ يَا مِصْرُ > كَثُرَ دَقُّ الدِّرْعِ يَفُكُّ لِحَامَهُ > الذَّالُ ذُلُّهُمْ مِنْ قَدِيمٍ بِكُلِّ بَلَدٍ > لَوْ يَزِيدُ الْجَيْشُ فِي عَدِّهِ وَعَدَدٍ
(معازيبة: أسياده) (قسامة: قرار تقسيم فلسطين عام 1947) (جامة: زجاج لعرض السلع)
وقد أشاد بموقف الرئيس جمال عبد الناصر بعد تأميم قناة السويس والعدوان الثلاثي على مصر سنة 1956م، بقصيدة يقول فيها:
دَامَ مَجْدُكَ لِلْعُرُوبَةِ يَا جَمَالُ > بِالْبُطُولَةِ قُمْتَ وَأَنْقَذْتَ الْقَنَالَا > يَا جَمَالَ الْحُرِّ يَا الشَّهْمَ الْفَرِيدَ > صَايِرٍ عِنْدَ الْعَرَبِ رَجُلًا وَحِيدًا > سَوَّ مَا سَوَّاهُ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ > نَفْرَحُ بِيَوْمِكَ عَسَى يَوْمُكَ سَعِيدٌ > نَفْتَخِرُ بِكَ حَيْثُ عَزْمُكَ مِنْ حَدِيدٍ > الْعَدُوُّ مَا يَنْتَصِرُ هَذَا مُحَالُ > دَامَ مَجْدُكَ لِلْعُرُوبَةِ يَا جَمَالُ > بِالْبُطُولَةِ قُمْتَ وَأَنْقَذْتَ الْقَنَالَا > أَنْتَ ضَارِي وَالْعَرَبُ مِثْلُ الْأُسُودِ > يَا جَمَالَ الْحُرِّ صِرْنَا لَكَ جُنُودُ > دَامَ رُكْنُكَ وَانْهَدَمَ رُكْنُ الْيَهُودِ > التَّحَدِّي فِي مِصْرَ هَزَّ الْجِبَالَا > أَبْشِرِي بِالْخَيْرِ دَائِمًا يَا مِصْرُ > أَبْشِرِي بِالْخَيْرِ فِي عِزٍّ وَنَصْرٍ
في القضايا الاجتماعية:
لم يغفل بورسلي عن القضايا الاجتماعية التي كانت تؤرق مجتمعه، ومنها أزمة المياه في الكويت في الخمسينيات، حيث قال في قصيدته الشهيرة:
لَيْتَ هَا النَّفْطَ الْغَزِيرَ > يَنْقَلِبُ مَايٌ غَدِيرُ > مَا نَبِي النَّفْطَ وَمَعَاشَهُ > صِرْنَا لِلْعَالَمِ طَمَاشَهُ > أَهْلُهَا مَاتُوا عَطَاشَهُ > ضَاعَ بِالطُّوشَةِ الْفَقِيرُ > مِنَ الْفَجْرِ شَايِلٌ قِرْبَةً > بَسْ يَبِي لَوْ دَرْبَ يَصُبُّهُ > نَفْطُهَا غَرِقَ أُورُوبَا > وَالظَّمَا بِهَا يَسْتَدِيرُ > جَابُوا كَنْدِيسَةً جَدِيدَةً > قَالُوا بِالْعَالَمِ وَحِيدَةً > قُلْتُ خَيْرُ اللَّهِ يَزِيدُهُ > وَازْرَعُوا حِنْطَةً وَشَعِيرًا > لَا زَرَعْنَا وَلَا شَرِبْنَا > كُلَّ قَيْظٍ نَصِيحُ رَبَّنَا > مِنْ عَجَمْنَا وَمِنْ عَرَبْنَا > كُلُّ مَنْ أَصْبَحَ خَطِيرًا > عَرَبَايِنُ مَا تَبِيعُكَ > وَالْمَهَارَا مَا تُطِيعُكَ > مِنْ عُوَيْنِكَ مِنْ فَزِيعِكَ > نَشْتَكِي عِنْدَ الْأَمِيرِ > مَا نَلُومُكَ يَا بَلَدَنَا > وَالسَّبَبُ كَثْرَةُ عَدَدِنَا > شُفْ بِلَادَكَ يَا وَلَدَنَا > مَا بِهَا مَفْرَشُ حَصِيرٍ > لَيْتَ هَا النَّفْطَ الْغَزِيرَ > يَنْقَلِبُ مَايٌ غَدِيرُ
(طماشه: السخرية) (الكنديسة: محطة التقطير) (القيظ: حر الصيف)
كما عبر عن عتابه لوطنه وشكواه من الحال الذي وصل إليه، في قصيدة مؤثرة:
الدَّارُ جَارَتْ مَا عَلَيْهَا شَافَةٌ > وَالْحُرُّ فِيهَا شَايِفٌ مَعَافَةٌ > بَالِكَ تُكَاثِرُ صَدَّهَا وَإِنْ صَدَّتْ > عَادَتْهَا عَقِبَ الْقَبُولِ أَنْكَافَةٌ > دَارٌ لِغَيْرِ عِيَالِهَا مَشْكُورَةٌ > وَلَا ابْنُهَا تَلْعَنُ أَبُو أَسْلَافَةٌ > دَارٌ يَعِيشُ بِهَا الْغَرِيبُ مُنَعَّمٌ > وَتَعِيشُ فِيهَا أُمُّ أَحْمَدَ الْعَجَافَةُ > دَارٌ أُوصِفُهَا عَجُوزٌ شَمْطَا > هَمَّازَةٌ مَنَّاعَةٌ حَلَّافَةٌ > تُغَذِّي عِيَالَ النَّاسِ وَتُدَاوِيهِمْ > وَعِيَالَهَا لِعُيُونِهِمْ خَطَّافَةٌ > آسِفٌ عَلَى الطَّيِّبِ تَرَدَّى حَالُهُ > وَلَا الرَّدِيُّ مَا مَنَّ عَلَيْهِ حَسَافَةٌ > مِثْلَ الْحَمَامَةِ فَرْخُهَا فِي الْبَيْضَةِ > عِنْدَ طَيَرَانِهِ تُنْكِرُهُ وَتُعَافَهُ > هَذَا جَزَانَا زَيْنٌ سَوَّتْ فِينَا > خَلِّ الْغَرَقَ مَا يُوهِلُ النَّزَّافَةَ > حَنَّا تَقَاطَعْنَا وَشَنَّا نُفُوسَنَا > وَالزَّوْدُ خَلَّانَا عَلَى مِهْيَافَةٍ > وَالْحَسَدُ وَالْبَغْضَا وَقِلُّ الرَّحْمَةِ > مَا وَاحِدٌ فِينَا سَعَى بِأَنْصَافَةٍ > يَا اللَّهُ دَخِيلَكَ عَقِبَ ذِيكَ النَّخْوَةِ > مَا مَنَّ مِنَ الْوَاجِبِ وَلَا طَرَافَةٍ > نَصْبِرُ غَصْبًا أَوْ طِيبًا هَذِي الْقِسْمَةُ > لَوْ نَلْحَسُ التَّمْرَةَ وَرَى الْخَصَّافَةِ
ديوانه الشعري:
جمع ديوان فهد بورسلي الشهير وأعدته ابنته وسمية فهد راشد ناصر بورسلي، بمساعدة من الأديب والمؤرخ الكويتي أحمد البشر الرومي. ويحتوي هذا الديوان على 105 قصائد و 6 زهيريات. كما كان للشاعر ديوانان صغيران نادران طبعا في مصر في بداية الخمسينيات، واحتويا على بعض القصائد التي تم إقصاؤها من ديوانه الأخير الذي أشرفت عليه ابنته [1].
خاتمة: إرثٌ شعريٌّ لا يزول
رحل الشاعر فهد بورسلي في 25 أبريل 1960م، عن عمر يناهز 42 عامًا، لكن إرثه الشعري ظل خالدًا، يتردد صداه في وجدان الكويتيين والعرب. لقد كان بورسلي بحق شاعر الشعب، الذي استطاع أن يلامس قلوب الناس بصدقه وعمق تعبيره، وأن يخلد بكلماته تاريخًا حيًا لدولة الكويت. تظل قصائده، بجمالها وعمقها، مصدر إلهام للأجيال، وشاهدًا على عبقرية شاعرٍ فذٍّ ترك بصمةً لا تُمحى في سماء الشعر النبطي.
المراجع
[1] ويكيبيديا، الموسوعة الحرة. "فهد بورسلي". متوفر على: https://ar.wikipedia.org/wiki/%D9%81%D9%87%D8%AF_%D8%A8%D9%88%D8%B1%D8%B3%D9%84%D9%8A