تتراءى لنا في فجر التاريخ الإنساني، حينما انبثق نور الإسلام، حقيقةٌ ساطعةٌ كالشمس في كبد السماء، مفادها أن العلم ليس مجرد رفاهية فكرية، بل هو صلب الوجود الإنساني، وروح الحضارة، ودعامة الدين. لقد جاء الإسلام ليُعلي من شأن العلم والعلماء، ويجعل طلب المعرفة فريضةً لا ترفًا، ومسعىً لا ينقطع، فكانت أولى آيات الوحي تتنزل على قلب النبي الأمين ﷺ دعوةً صريحةً للقراءة، إيذانًا ببدء مسيرةٍ حضاريةٍ لا تزال آثارها ماثلةً حتى اليوم. ففي رحاب القرآن الكريم وسنة النبي المصطفى ﷺ، تتجلى قيمة العلم ومنزلته الرفيعة، كمنارةٍ تهدي العقول، ونورٍ يضيء البصائر، ومفتاحٍ لأبواب الفهم والإدراك في شتى مناحي الحياة.
قيمة العلم في القرآن الكريم: آياتٌ تتجلى فيها الحكمة الإلهية
لقد خصّ القرآن الكريم العلم بمكانةٍ عظيمةٍ، وورد ذكره ومشتقاته في مواضع عديدة، مما يؤكد على محوريته في بناء الفرد والمجتمع. فمنذ اللحظة الأولى للوحي، كانت كلمة
﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: 1-5] هي الشرارة الأولى التي أضاءت درب المعرفة، وجعلت القراءة مفتاحًا لكل علم. هذه الآيات لم تكن مجرد أمرٍ بالقراءة، بل كانت إعلانًا عن قيمة العلم كأداةٍ للتحرر من الجهل، والارتقاء بالإنسان من مرتبة العلق إلى مرتبة الفهم والإدراك [1].
ولم يكتفِ القرآن الكريم بالحث على طلب العلم، بل رفع من شأن أهله، فجعلهم في مصافٍّ عليا، كما في قوله تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: 11]. هذه الآية الكريمة ليست مجرد وعدٍ بالرفعة، بل هي تأكيدٌ على أن الإيمان والعلم هما جناحان يطير بهما الإنسان نحو الكمال، وأن الدرجات التي ينالها العلماء ليست دنيوية فحسب، بل تمتد لتشمل الآخرة [2].
وفي مشهدٍ عظيمٍ يبرز فيه تكريم الله للعلماء، نجد قوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ [آل عمران: 18]. فأن يقرن الله شهادته بشهادة ملائكته وأولي العلم، لهو دليلٌ قاطعٌ على عظم منزلة العلماء، وأنهم أهلٌ للشهادة على أعظم حقيقة في الوجود، وهي وحدانية الله [1].
كما أن العلم هو السبيل إلى خشية الله الحقيقية، فالعالم هو من يدرك عظمة الخالق وقدرته، ومن ثم يخشاه حق الخشية. يقول تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: 28]. هذه الآية توضح أن الخشية ليست مجرد شعور، بل هي نتيجة للمعرفة العميقة بالله وصفاته، وأن العلماء هم الأقدر على هذه الخشية [2].
وللتأكيد على الفارق الشاسع بين من يعلم ومن لا يعلم، يطرح القرآن الكريم سؤالًا بلاغيًا يحمل في طياته إجابةً واضحةً: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: 9]. هذا الاستفهام الإنكاري يرسخ في الأذهان أن العلم نورٌ والجهل ظلام، وأن العالم ليس كالجاهل في أي ميزان [3].
ولم يكتفِ القرآن بذلك، بل أمر النبي ﷺ بطلب المزيد من العلم، وهو دعاءٌ لكل مسلمٍ يسعى للكمال: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: 114]. هذا الأمر يؤكد أن العلم بحرٌ لا ساحل له، وأن الإنسان مهما بلغ من المعرفة، فهو دائمًا بحاجة إلى المزيد [1].
وفي قصة طالوت، نجد أن العلم كان سببًا في اختياره ملكًا، فالله تعالى يقول: ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 247]. هذه القصة تبين أن العلم قد يكون مفتاحًا للقيادة والتمكين، وأن الله يختار من يشاء بناءً على حكمته وعلمه [1].
قيمة العلم في السنة النبوية الشريفة: أقوالٌ وأفعالٌ تضيء الدرب
لم تكن السنة النبوية الشريفة إلا امتدادًا وتفسيرًا لما جاء في القرآن الكريم، وقد حثت على طلب العلم بشتى صوره، وجعلته فريضةً على كل مسلم. فمن الأحاديث النبوية التي تؤكد على هذه القيمة:
أنواع العلم في الإسلام: شموليةٌ تتجاوز الحدود
لم يقتصر الإسلام على نوعٍ واحدٍ من العلم، بل شمل جميع العلوم النافعة، سواء كانت شرعيةً أو دنيويةً. فالعلم الشرعي يشمل علوم القرآن والسنة والفقه والعقيدة، وهو الأساس الذي يقوم عليه فهم الدين وتطبيقه. أما العلوم الدنيوية، فتشمل الطب والهندسة والفلك والرياضيات وغيرها، وهي علومٌ ضروريةٌ لتقدم الأمة وازدهارها، وتحقيق الاكتفاء الذاتي، والوصول إلى مرضاة الله من خلال عمارة الأرض [3].
فالإسلام يدعو إلى التوازن بين العلمين، فالعلم الشرعي يوجه الإنسان إلى الحق، والعلم الدنيوي يمكنه من عمارة الأرض وخدمة البشرية. وكلاهما يصب في مصلحة الإنسان والأمة، ويحقق الغاية من الوجود [3].
خاتمة: العلم أساس النهضة والتقدم
في الختام، يتضح لنا أن العلم في الإسلام ليس مجرد وسيلةٍ لتحصيل المعرفة، بل هو غايةٌ في حد ذاته، وسبيلٌ للارتقاء الروحي والمادي. لقد بنى المسلمون حضارةً عظيمةً قامت على أساس العلم، وأسهموا في تقدم البشرية في شتى المجالات، وذلك بفضل تمسكهم بتعاليم دينهم التي تحث على طلب العلم والعمل به. فالعلم هو النور الذي يضيء دروب الحياة، وهو السلاح الذي نواجه به تحديات العصر، وهو الأساس الذي تبنى عليه الأمم وتنهض، وهو مفتاح الفهم والإدراك، وهو الطريق إلى مرضاة الله وجنته. فلنحرص على طلب العلم، ونشره، والعمل به، لنكون خير أمةٍ أخرجت للناس، ولنحقق الوعد الإلهي بالرفعة والتمكين. فالعلم هو سر قوتنا، ومصدر عزتنا، ومنار هدايتنا في الدنيا والآخرة.
المراجع:
[1] شبكة الألوكة. (2016). *قيمة العلم في القرآن الكريم*. https://www.alukah.net/sharia/0/99153/
[2] جامعة ديالى، كلية العلوم الإسلامية. (2022). *مقالة بعنوان: فضل العلم في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة*. https://islamic.uodiyala.edu.iq/2022/06/%D9%85%D9%82%D8%A7%D9%84%D8%A9-%D8%A8%D8%B9%D9%86%D9%88%D8%A7%D9%86-%D9%81%D8%B6%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%84%D9%85-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B1%D8%A2%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%B1%D9%8A/
[3] إسلام ويب. (بلا تاريخ). *أهمية العلم في الإسلام*. https://www.islamweb.net/ar/article/171693/
[4] موضوع. (2021). *أهمية طلب العلم في الإسلام*. https://mawdoo3.com/%D8%A3%D9%87%D9%85%D9%8A%D8%A9_%D8%B7%D9%84%D8%A8_%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%84%D9%85_%D9%81%D9%8A_%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85