كان بإمكاني أن أنفّذ الطلب.
جلست ذلك اليوم أمام المالك ومعه ذلك المدير المالي الذي طالما أتقن فن النفاق وأجاد التسلل إلى أذن صاحب القرار ليهمس فيها بما يخدم مصالحه قبل أن يخدم الشركة. جلسا أمامي وطلبا مني بصراحة لا تخلو من برود أن أتخلص من المجموعة التي بنيتها بيدي وعلّمتها بقلبي وحميتها بظهري. قالا إنهم إرث الإدارة القديمة وإن الشركة تريد صفحة جديدة.
لكن هذا لم يكن الحقيقة.
المالك رجل مشغول لا يعلم من دخل الشركة ومن خرج منها. لا يعرف أسماء موظفيه إلا حين يُعرَّف بهم. وكان المدير المالي يعلم ذلك جيداً فاستغل هذه الثقة العمياء كما يستغل الذكي الفرصة حين تُسلَّم إليه مفاتيح البيت. صار يتصرف كيف يشاء في الشركة من موظفين وقرارات وصفقات دون أن يُسأل. وما كان طلب التخلص من تلك المجموعة إلا ورقة من أوراق حسابات قديمة لا أعلم تفاصيلها ولا أريد أن أعلمها. ربما حقد شخصي. ربما تصفية لثأر قديم. ربما مجرد رغبة في إزاحة من يشعر بوجودهم تهديداً لنفوذه. والله أعلم بما تخفيه الصدور.
وأنا جلست أستمع وفي داخلي شيء يرفض ما يُقال دون أن يجد الكلمات المناسبة للرفض.
طنشت طلبهما بأدب. لأنني كنت أرى في هؤلاء الشباب ما لا يريان. كنت أرى ما كانوا عليه حين جاؤوا وما صاروا إليه بعد أن أمسكت بأيديهم. كنت أرى ساعات الشرح والتصحيح والصبر على الأخطاء والغفران للزلات. كنت أرى استثماراً إنسانياً لا يُقاس بالأرقام ولا يُختصر في قرار يُتخذ في غرفة مغلقة بين رجلين لا يعرفان من هؤلاء الشباب إلا أسماءهم في كشف الرواتب.
أخذ المالك وذلك السوسة الذي يسمّيه المدير المالي موقفاً مني. هذا ما يحدث حين ترفض تنفيذ ما يريد أصحاب القرار. لا يصرخون في وجهك ولا يُعلنون حربهم عليك. يكتفون بأن يضعوا في قلوبهم شيئاً لن تعرف عنه شيئاً إلا حين تحتاجهم. وحين تركت الشركة لاحقاً قلبا لي ظهر المجن كما يقال. ولم يكن ذلك مفاجئاً. الذي يطلب منك أن تخون من تحت يدك لن يتوانى عن خيانتك حين تصبح أنت من تحت يده.
وأما ذلك المدير المالي فقد واصل مسيرته في الشركة بعد رحيلي. واصل الهمس في أذن المالك وتصريف أمور الشركة كما يشاء حتى أدخلها في دوامة لم تخرج منها. الشركة التي بناها صاحبها بسنوات من العمل أغلقت أبوابها. وذلك السوسة الذي كان يُدير كل شيء من وراء ستار لم يكن في النهاية إلا ما كان منذ البداية: إنساناً يتقن تدمير ما بناه غيره.
لكن ما أوجعني حقاً لم يكن موقف المالك ولا تلك السوسة التي تُسمّى مديراً مالياً.
ما أوجعني كان أولئك الشباب الذين رفضت التخلص منهم.
الذين علّمتهم كيف يفكرون وكيف يتكلمون وكيف يقفون أمام المسؤولية. الذين غفرت لهم ما لا يُغفر وصبرت عليهم حين كان الأسهل أن أتركهم لمصيرهم. الذين كنت أظن أنني زرعت في قلوبهم شيئاً من الوفاء.
هؤلاء خانوا الأمانة. وحين خانوها لم يكن الأمر مجرد خيانة وظيفية. كان شيئاً أعمق. كان إثباتاً أن بعض القلوب لا تقبل الزرع مهما أحسنت الري. وأن ما يحمله الإنسان في داخله من حسد ونكران لا يتبدّل لأنك أحسنت إليه. بل يزداد. لأن النعمة عند بعض الناس لا تُولّد الامتنان بل تُولّد الحقد على من أنعم.
أجلس أحياناً مع نفسي وأتساءل: ماذا لو نفّذت الطلب؟
ماذا لو أنهيت عقودهم في ذلك اليوم وأرحت نفسي من كل ما جاء بعده؟ ربما احتفظت بثقة المالك. ربما بقيت في الشركة أطول. ربما لم أكن لأعاني ما عانيت.
لكنني كنت سأكون شخصاً آخر. وهذا هو الثمن الذي لم أكن مستعداً لدفعه.
تعلّمت من هذه التجربة ما لا تعلّمه الكتب:
أن الوفاء لا يُورَّث ولا يُعلَّم. يمكنك أن تعطي إنساناً كل ما تملك من علم وخبرة وحماية ووقت ولن يضمن ذلك أن يكون وفياً. الوفاء صفة تُولد مع الإنسان أو لا تُولد.
وأن الموقف الصحيح لا يحميك من النتائج الخاطئة. رفضت التخلص من الشباب لأن ذلك كان الصواب في نظري. لكن الصواب لا يعني أنك ستُكافأ عليه. أحياناً يكلّفك الصواب أكثر مما يكلّفك الخطأ. وهذه من أقسى حقائق الحياة.
وأن من يطلب منك خيانة الآخرين سيخونك هو أيضاً. الإنسان الذي يدفعك لأن تكون غير أمين مع من تحتهم لن يكون أميناً معك حين تصبح أنت في موضع الضعف. الخيانة ليست موقفاً يحدث مرة واحدة. هي طريقة في التعامل مع الحياة.
وأن الثقة العمياء في الشخص الخطأ ليست فضيلة. المالك كان رجلاً طيباً لكن طيبته صارت سلاحاً في يد من لا يستحق. وهذا درس لكل صاحب عمل: الثقة نعمة لكنها تحتاج عقلاً يُرافقها وإلا تحوّلت إلى باب مفتوح لمن يريد النهب.
وأن الإنسان لا يُقاس بما تعطيه له بل بما يحمله في داخله. أعطيت هؤلاء الشباب كل ما أملك. لكن ما يحمله الإنسان في داخله لا يتغير بما تعطيه إياه من الخارج. القلوب التي تحمل الحسد والنكران ستبقى كما هي وستُضيف إلى حسدها ونكرانها شيئاً آخر: الشعور بأنهم يستحقون ما أعطيته لهم وأكثر.
لن أقول إنني لا أندم. أندم أحياناً. ليس على رفض الطلب. بل على أنني لم أُحسن اختيار من أعطيت. لأن الإعطاء الحقيقي لا يعني أن تفتح قلبك لكل من يقف أمامك. يعني أن تعرف من يستحق أن تفتح قلبك له.
ما زلت أؤمن بالعطاء. ما زلت أؤمن بالتعليم والتوجيه والحماية. لكنني تعلّمت أن أُفرّق بين من يستحق هذا العطاء ومن لا يستحقه. وتعلّمت أن الصمت أمام الخيانة ليس ضعفاً. هو اختيار أن تبقى على ما أنت عليه حتى حين يختار الآخرون أن يكونوا على غير ذلك.
وفي النهاية ما يبقى ليس ما فعله بك الآخرون. ما يبقى هو ما فعلته أنت حين كان بإمكانك أن تكون غير ذلك ولم تفعل.
*يُتبع — في مقالات قادمة أسباب المغادرة وما جاء بعدها*