علَّمني التفاوض درسًا لم تُعلِّمه لي الكتب: أن الصمت سلاحٌ يخشاه كثيرون ويُتقنه قليلون.
في إحدى جلسات التفاوض، عرض عليَّ الطرف الآخر رقمًا، فلم أردَّ. صمتُّ. ثوانٍ مرَّت كأنها دهر. ثم رأيتُه يتململ، ويُعيد صياغة عرضه، ويُضيف إليه، ويُحسِّنه — دون أن أنطق بحرف. كان صمتي يتكلم بما لا تستطيع كلماتي أن تقوله.
المفاوض الضعيف يملأ الفراغ بالكلام، خشيةَ أن يُفسَّر صمته ضعفًا. أما المفاوض المحترف فيعرف أن الفراغ ضغطٌ نفسي يقع على الطرف الآخر، ويدفعه إلى ملئه بتنازلات لم يكن ينوي تقديمها.
التفاوض ليس فنَّ الإقناع وحده. هو فنُّ الإنصات، وفنُّ الصبر، وفنُّ معرفة متى تتكلم ومتى تصمت. والصمت في المكان الصحيح يساوي أحيانًا أبلغ خطاب.