شارك هذا المقال

حجم الخط:(عادي)

قبل أن أبدأ هذه التجربة، كنتُ أظن أنني أعرف الناس. أربعون عاماً في بيئات العمل، في الاجتماعات والمفاوضات وجلسات التقييم — كنتُ أعتقد أنني قرأتُ الكثير من الوجوه وفهمتُ الكثير من الطبائع.

لكن السيارة علّمتني أن ما كنتُ أراه في المكتب كان مجرد قناع.

الناس في العمل يرتدون أقنعة — قناع الموظف المجتهد، وقناع المدير الحازم، وقناع الزميل الودود. لكن في السيارة، حيث لا أحد يعرفك وحيث الرحلة لن تتجاوز عشرين دقيقة، يسقط القناع. ويظهر الإنسان كما هو.

وما رأيتُه كان أجمل وأغرب وأطرف وأحزن مما توقّعتُ.

أهل البشر — وهم أحبّ الناس إلى قلبي — يصعدون ووجوههم كلها ضياء. قبل أن تفتح فمك، يبادرونك هم بالسلام. وبعضهم لا يكتفي بالسلام، بل يمدّ يده ويصافحك ويشدّ عليها كأنكما صديقان قديمان التقيا بعد غياب طويل. تنتهي الرحلة معهم وأنت تتمنى لو امتدت أكثر.

أهل الصمت — وهم كثيرون — يصعدون ولا يتكلمون. لا سلام ولا كلام. يجلسون ويحدّقون في هواتفهم أو في النافذة. تسألهم عن وجهتهم فيشيرون بأصابعهم إلى الخريطة على الجوال — كأنهم يقولون: "الخريطة تعرف، فلماذا تسأل؟" ينزلون عند الوصول، يحاسبون، يسلّمون، ويختفون. لستُ أحكم عليهم — ربما هم منهكون من يوم طويل، أو مشغولو البال بهموم لا أعرفها.

أهل الكبرياء — وهم الأصعب على القلب — يدخلون وحواجبهم معقودة، وفي نظرتهم شيء يقول بوضوح لا يحتاج إلى كلام: "أنت مجرد سائق." لا يسلّمون. لا يشكرون. ينزلون كأنهم أدّوا واجباً مضنياً بمجرد أنهم ركبوا معك. وكنتُ في مثل هذه اللحظات أبتسم في داخلي وأفكّر: لو عرفتَ من أنا، ومن كنتُ، وأنني اخترتُ هذا بمحض إرادتي — ماذا كنتَ ستقول؟

لكنني لا أقول شيئاً. أوصّله إلى وجهته وأكمل يومي. لأن الكبرياء — كما تعلّمتُ في سنوات طويلة — لا يُكبّر صاحبه، بل يُصغّره.

أهل الهموم — وهم يؤلمون القلب بصمت — يصعدون وثقل الدنيا على أكتافهم. تأوّهاتهم تسبقهم، وأحزانهم تملأ السيارة قبل أن يغلقوا الباب. وكنتُ في مثل هذه الحالات أحاول — بكلمة طيبة، أو ابتسامة، أو مجرد صمت محترم يقول "أنا هنا وأسمع" — أن أخفّف شيئاً من ذلك الثقل.

النوّامون — وهم يُضحكونني دائماً — ما إن تتحرك السيارة حتى يغطّون في نوم عميق. ذكوراً وإناثاً، كباراً وصغاراً. كأن صوت المحرك موسيقى نوم لا يقاومها أحد. مرة صعدت سيدة مع أختها، وما إن انطلقنا حتى نامت إحداهن نوماً ثقيلاً لم تستطع أختها إيقاظها منه.

الثرثارون — وهم لا يملّون ولا يُملّون — لا يصمتون لحظة. يتحدثون معك أو في هواتفهم أو مع من معهم. وأحياناً يكون في السيارة اثنان أو ثلاثة، فتبدأ بينهم نقاشات حامية — في السياسة، في الرياضة، في أسعار العقارات، في أي شيء تحت الشمس — تشعر معها أن شرارة الحرب العالمية ستنطلق من مقعدك الخلفي.

هذا هو عالم السيارة. عالم بلا قاع، وبلا سقف. كل يوم — بل كل رحلة — تكتشف فيه شيئاً لم تعرفه من قبل. وكنتُ في كل مرة أعود إلى البيت وأفكّر: لو أنني بقيتُ في ذلك الكرسي أنظر إلى الساعة، لما عرفتُ كل هذا.


*هذه القصة جزء من سلسلة يوميات سائق — حلقات من تجربة حقيقية عاشها المستشار غازي بن حمدان الشاعر.*