شارك هذا المقال

حجم الخط:(عادي)

ثمة مشاهد تدخل السيارة وتجلس معك بعد أن ينزل أصحابها. هذا المشهد واحد منها.

صعد معي رجل في الخمسين من عمره، يرتدي ثوباً أبيض مكوياً بعناية، وإلى جانبه شاب في العشرينيات — ابنه على الأرجح، من التشابه في الملامح. جلسا في المقعد الخلفي، وأغلقا الباب، وانطلقنا.

لم يتكلما.

في البداية ظننت أنهما مشغولان بهواتفهما، كما يفعل كثيرون. لكن حين نظرت في المرآة، وجدت الأب ينظر من النافذة إلى الشارع، وعيناه في مكان بعيد جداً عن جدة. والابن ينظر إلى حذائه.

الصمت الذي يتكلم

مرت عشر دقائق. ثم خمس عشرة. والصمت بينهما لم يكن صمت الراحة — ذلك الصمت الدافئ الذي يجلس فيه اثنان يعرفان بعضهما جيداً ولا يحتاجان إلى كلام. كان صمتاً آخر. صمت من يريد أن يقول شيئاً ولا يجد الكلمات. أو ربما يجد الكلمات ولا يجد الشجاعة.

عند إشارة المرور، التفت الأب إلى ابنه وفتح فمه ليقول شيئاً. ثم أغلقه. وعاد إلى النافذة.

رأيت ذلك في المرآة. ورأيت الابن يرفع رأسه للحظة — كأنه أحسّ بأن أباه أراد أن يكلمه — ثم يعود إلى حذائه حين لم يأتِ الكلام.

ما لا تقوله الأرقام

في سنواتي الطويلة في الموارد البشرية، رأيت آلاف الملفات. ملفات ترقيات ومكافآت وفصل وتقاعد. لكن لم يكن في أي ملف منها خانة اسمها "العلاقة مع الأب."

وكنت أفكر في تلك اللحظة: كم من الأبناء يحملون في صدورهم كلاماً لم يقولوه لآبائهم؟ وكم من الآباء يحملون في صدورهم اعترافات لم يجرؤوا على قولها؟

نزلا عند وجهتهما. شكراني بإيماءة من الرأس. وأغلقا الباب.

ونظرت في المرآة وهما يمشيان جنباً إلى جنب على الرصيف — بينهما مسافة خطوة واحدة، لكنها كانت تبدو أحياناً كمسافة سنوات.

الدرس الذي لم أتعلمه من كتاب

لم أعرف قصتهما. ولن أعرفها. لكنني أعرف شيئاً واحداً: الكلمة التي لا تُقال اليوم لا تنتظر غداً بالضرورة. وأحياناً تنتظر وقتاً طويلاً جداً — حتى تصبح الفرصة أثراً بعد عين.

قل لأبيك ما تريد قوله. الآن. قبل أن تصبح أنت الأب الذي ينظر من نافذة السيارة إلى مكان بعيد.


*هذه القصة جزء من سلسلة يوميات سائق — حلقات من تجربة حقيقية عاشها المستشار غازي بن حمدان الشاعر.*