حجم الخط:(عادي)

<h1>المرجئة: الإيمان والعمل - نشأة المذهب وأثره في الفقه الإسلامي</h1>

<h2>المقدمة</h2>

<p>تُعدّ فرقة المرجئة من الفرق الكلامية التي ظهرت في تاريخ الإسلام، وشكّلت جزءًا مهمًا من النقاشات العقدية والفقهية حول مفهوم الإيمان والعمل. نشأت هذه الفرقة في سياق سياسي واجتماعي مضطرب، حيث تباينت الآراء حول مرتكب الكبيرة وحكمه، مما أفرز تيارات فكرية مختلفة. يهدف هذا المقال إلى استعراض نشأة المرجئة، وأصول مذهبهم، والفرق بينهم وبين الأشاعرة، بالإضافة إلى أثرهم في الفقه الإسلامي، مع الالتزام بالموضوعية التامة والاعتماد على المصادر الأصيلة.</p>

<h2>النشأة والتاريخ</h2>

<p>ظهرت فكرة الإرجاء في أواخر عصر الصحابة، وبالتحديد بعد معركة صفين وظهور الخوارج الذين غلوا في تكفير مرتكب الكبيرة [1]. جاء الإرجاء كرد فعل على غلو الخوارج، وتميز المرجئة بالغلو في التفريط، حيث أخرجوا الأعمال من مسمى الإيمان، ورأوا أن الإيمان تصديق بالقلب فقط [1] [2].</p>

<p>يُذكر أن مقالة مرجئة الفقهاء ظهرت في أواخر القرن الأول الهجري، عندما خاض بعض الناس في حقيقة الإيمان، ودخول الأعمال في مسماه، وحكم مرتكب الكبيرة. فبينما ذهب الخوارج والمعتزلة إلى أن مرتكب الكبيرة كافر أو في منزلة بين المنزلتين ومخلد في النار، ذهب أهل السنة إلى أنه مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، وتحت مشيئة الله، بينما غلت المرجئة في قولها بأن الأعمال لا تدخل في مسمى الإيمان، وأن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، وزاد بعضهم غلوًا بقولهم: لا يضر مع الإيمان معصية، كما لا ينفع مع الكفر طاعة [1].</p>

<p>من غلاة المرجئة الجهمية، أتباع الجهم بن صفوان، الذين ظهروا في أواخر الدولة الأموية، ومذهبهم يقوم على تعطيل صفات الله، والقول بالإرجاء والجبر. ثم ظهر قول الكرامية في المائة الثالثة للهجرة، الذين جعلوا الإيمان مجرد القول، حتى لو كان بدون اعتقاد أو عمل [1].</p>

<h2>العقيدة والفكر</h2>

<p>تتركز عقيدة المرجئة الأساسية حول مفهوم الإيمان، حيث يرون أن الإيمان هو التصديق القلبي فقط، وأن الأعمال لا تدخل في حقيقة الإيمان. هذا المفهوم أدى إلى عدة آراء داخل المذهب، ويمكن تلخيصها في النقاط التالية:</p>

<ul>

<li><strong>الإيمان هو التصديق بالقلب:</strong> هذا هو الرأي الأكثر شيوعًا بين المرجئة، حيث يرون أن الإيمان هو مجرد معرفة الله وتصديق وجوده ووحدانيته، وأن الأعمال الصالحة ليست جزءًا أساسيًا من الإيمان، بل هي من فروعه أو كمالياته [2] [7].</li>

<li><strong>الإيمان لا يزيد ولا ينقص:</strong> بناءً على أن الإيمان هو تصديق قلبي، يرون أنه لا يتأثر بالمعاصي أو الطاعات، فلا يزيد بالطاعة ولا ينقص بالمعصية. فالمؤمن العاصي يظل مؤمنًا كامل الإيمان [1] [2].</li>

<li><strong>لا تضر مع الإيمان معصية:</strong> هذه المقولة الشهيرة للمرجئة تعني أن ارتكاب الكبائر لا يخرج المسلم من دائرة الإيمان، وأن مصير مرتكب الكبيرة موكول إلى الله، وقد يعفو عنه أو يعاقبه، ولكن لا يخلده في النار [2].</li>

<li><strong>الخلود في النار خاص بالكفار:</strong> يرى المرجئة أن الخلود في النار مقتصر على الكفار والمشركين، أما المؤمنون، حتى لو ارتكبوا الكبائر، فإن مآلهم في النهاية إلى الجنة بعد تطهيرهم من ذنوبهم إن شاء الله [2].</li>

</ul>

<h2>الفرق بين المرجئة والأشاعرة</h2>

<p>على الرغم من أن بعض المؤرخين قد يخلطون بين المرجئة والأشاعرة في بعض الجوانب، إلا أن هناك فروقًا جوهرية بينهما، خاصة في تعريف الإيمان:</p>

<table>

<thead>

<tr>

<th>النقطة</th>

<th>المرجئة</th>

<th>الأشاعرة</th>

</tr>

</thead>

<tbody>

<tr>

<td><strong>تعريف الإيمان</strong></td>

<td>التصديق بالقلب فقط [2] [7]</td>

<td>التصديق بالقلب، والقول باللسان والعمل بالجوارح فروعه وكمالاته [7] [12]</td>

</tr>

<tr>

<td><strong>زيادة ونقصان الإيمان</strong></td>

<td>لا يزيد ولا ينقص [1] [2]</td>

<td>لا يزيد ولا ينقص في أصله، ولكن يزيد وينقص في كماله [12]</td>

</tr>

<tr>

<td><strong>العمل في الإيمان</strong></td>

<td>ليس جزءًا من الإيمان [1] [2]</td>

<td>ليس جزءًا من حقيقة الإيمان، بل هو شرط كمال [7] [12]</td>

</tr>

<tr>

<td><strong>مرتكب الكبيرة</strong></td>

<td>مؤمن كامل الإيمان، ومصيره إلى الله [2]</td>

<td>مؤمن فاسق، ومصيره إلى الله، ولا يخلد في النار [1] [7]</td>

</tr>

</tbody>

</table>

<p>يُلاحظ أن الأشاعرة، وإن كانوا يتفقون مع المرجئة في أن الإيمان هو التصديق القلبي، إلا أنهم يختلفون في اعتبار الأعمال الصالحة جزءًا من كمال الإيمان، وليس من أصله. كما أنهم لا يقولون بأن الإيمان لا يزيد ولا ينقص مطلقًا، بل يرون أن كماله يزيد وينقص [12]. وقد ذهب بعض العلماء إلى أن الأشاعرة يقتربون من مرجئة الفقهاء في بعض آرائهم حول الإيمان [7] [11].</p>

<h2>أثرهم في الفقه الإسلامي</h2>

<p>كان للمرجئة تأثير كبير على الفقه الإسلامي، خاصة في مسائل الإيمان والكفر، وحكم مرتكب الكبيرة. فبسبب قولهم بأن الأعمال ليست جزءًا من الإيمان، أدى ذلك إلى تخفيف حدة التكفير التي كانت سائدة لدى الخوارج. وقد أثر هذا المفهوم في:</p>

<ul>

<li><strong>مسائل التكفير:</strong> ساهمت آراء المرجئة في الحد من ظاهرة التكفير بين المسلمين، حيث جعلوا الإيمان أمرًا قلبيًا لا يزول بارتكاب المعاصي، مما أدى إلى توسيع دائرة الإسلام وعدم إخراج مرتكب الكبيرة منها [1] [2].</li>

<li><strong>الفقه الحنفي:</strong> يُنسب إلى أبي حنيفة وأصحابه بعض الآراء التي تتفق مع مرجئة الفقهاء، حيث يرون أن الإيمان هو المعرفة بالله والإقرار به، وأن الأعمال ليست جزءًا من الإيمان. وقد أثر هذا في بعض الأحكام الفقهية المتعلقة بالتعامل مع العصاة [2] [7].</li>

<li><strong>التركيز على النية:</strong> بما أن الإيمان عندهم تصديق قلبي، فقد عزز ذلك من أهمية النية في العبادات والمعاملات، حيث تُعد النية أساس قبول العمل، حتى لو قصر العمل الظاهر [2].</li>

</ul>

<h2>الانتشار</h2>

<p>بدأ الإرجاء كنظرية يدين بها أفراد معدودون، ثم تبناه كثير من علماء الكلام من الأشاعرة والماتريدية، ومنهم فقهاء وأصوليون ومفتون وقضاة ومفسرون ومحدثون وصوفية، حتى صار الإرجاء ظاهرة عامة تسيطر على الحياة الإسلامية والفكر الإسلامي إلى عصرنا الحاضر [1]. وقد انتشرت أفكار المرجئة في مناطق مختلفة من العالم الإسلامي، وتأثر بها العديد من المذاهب والفرق، حتى وإن لم تتبنَ المذهب الإرجائي بشكل كامل [1].</p>

<h2>الواقع المعاصر</h2>

<p>لا تزال آثار انحراف المرجئة ظاهرة في أعمال وأقوال وكتابات وأبحاث كثير من المسلمين في العصر الحديث. ففكرة فصل العمل عن الإيمان، أو التقليل من شأن الأعمال في تحديد حقيقة الإيمان، لا تزال موجودة في بعض التيارات الفكرية المعاصرة. ومع ذلك، فإن غالبية أهل السنة والجماعة يجمعون على أن الإيمان قول باللسان، وتصديق بالقلب، وعمل بالجوارح، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية [1] [9].</p>

<h2>الخاتمة</h2>

<p>تُعد فرقة المرجئة من الفرق الإسلامية التي أثارت جدلاً واسعًا حول مفهوم الإيمان والعمل. نشأت في سياق تاريخي معقد، وقدمت رؤية للإيمان تركز على التصديق القلبي، مع إرجاء حكم مرتكب الكبيرة إلى الله. وعلى الرغم من أن هذه الرؤية ساهمت في تخفيف حدة التكفير، إلا أنها أدت إلى بعض الانحرافات في فهم حقيقة الإيمان. وقد أثرت آراء المرجئة في الفقه الإسلامي، خاصة في المذهب الحنفي، ولا تزال آثارها موجودة في الفكر الإسلامي المعاصر. إن فهم هذه الفرقة وأصولها يساعد على استيعاب التنوع الفكري في تاريخ الإسلام وأثر ذلك على تطور المذاهب الفقهية والعقدية.</p>

<h2>المراجع</h2>

<p>[1] الفصلُ الثَّاني: نشأةُ مَذهَبِ الإرجاءِ - موسوعة الفرق. (تاريخ غير معروف). الدرر السنية. متاح على: <a href="https://dorar.net/frq/1383/%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%B5%D9%84-%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%B5%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%AB%D8%A7%D9%86%D9%8A-%D9%86%D8%B4%D8%A3%D8%A9-%D9%85%D8%B0%D9%87%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B1%D8%AC%D8%A7%D8%A1">https://dorar.net/frq/1383/%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%B5%D9%84-%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%B5%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%AB%D8%A7%D9%86%D9%8A-%D9%86%D8%B4%D8%A3%D8%A9-%D9%85%D8%B0%D9%87%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B1%D8%AC%D8%A7%D8%A1</a>

[2] فرقة المرجئة | وزارة الأوقاف. (2026, مارس 24). وزارة الأوقاف المصرية. متاح على: <a href="https://awkafonline.gov.eg/content-sections/108/10038/%D9%81%D8%B1%D9%82%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B1%D8%AC%D8%A6%D8%A9">https://awkafonline.gov.eg/content-sections/108/10038/%D9%81%D8%B1%D9%82%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B1%D8%AC%D8%A6%D8%A9</a>

[7] المقصود بالأشاعرة والمعطلة والمرجئة والقدرية والجبرية. (تاريخ غير معروف). الشاملة. متاح على: <a href="https://shamela.ws/book/37724/112">https://shamela.ws/book/37724/112</a>

[9] ما عقيدة المُرجئة؟ وما حكمها؟ (تاريخ غير معروف). موقع الشيخ ابن باز. متاح على: <a href="https://binbaz.org.sa/fatwas/20919/%D9%85%D8%A7-%D8%B9%D9%82%D9%8A%D8%AF%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B1%D8%AC%D9%89%D8%A9-%D9%88%D9%85%D9%88%D9%85%D8%A7-%D8%AD%D9%83%D9%85%D9%87%D8%A7">https://binbaz.org.sa/fatwas/20919/%D9%85%D8%A7-%D8%B9%D9%82%D9%8A%D8%AF%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B1%D8%AC%D9%89%D8%A9-%D9%88%D9%85%D9%88%D9%85%D8%A7-%D8%AD%D9%83%D9%85%D9%87%D9%85%D8%A7</a>

[11] أرشيف ملتقى أهل الحديث - سؤال عن الايمان عند الجهمية وعند .... (2009, يوليو 25). المكتبة الشاملة. متاح على: <a href="https://al-maktaba.org/book/31616/27769">https://al-maktaba.org/book/31616/27769</a>

[12] الفَصْلُ الأوَّلُ: مَفْهومُ الإيمانِ عنْدَ الأشاعِرةِ - موسوعة الفرق. (تاريخ غير معروف). الدرر السنية. متاح على: <a href="https://dorar.net/frq/284/%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%B5%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%88%D9%84-%D9%85%D9%81%D9%87%D9%88%D9%85-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%86-%D8%B9%D9%86%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B4%D8%A7%D8%B9%D8%B1%D8%A9">https://dorar.net/frq/284/%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%B5%D9%84-%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%B5%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%88%D9%84-%D9%85%D9%81%D9%87%D9%88%D9%85-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%86-%D8%B9%D9%86%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B4%D8%A7%D8%B9%D8%B1%D8%A9</a></p>