حجم الخط:(عادي)

<h2>مقدمة</h2><p>يُعدّ مصطلح "الحريديم" من المصطلحات المحورية في دراسة الخريطة الدينية والاجتماعية والسياسية لليهود في العصر الحديث. يُطلق هذا الوصف على تيار يهودي أرثوذكسي شديد المحافظة، يضع التمسك الحرفي بالشريعة اليهودية (الهالاخاه) في صميم هويته ووجوده. وكلمة "حريديم" هي جمع للكلمة العبرية "حريدي"، والتي تعني لغوياً "التقي" أو "الذي يرتعد خوفاً من الله"، وهي مشتقة من الجذر اللغوي الذي يفيد الغضب والاعتزال. يمثل هذا التيار ظاهرة فريدة في قدرته على مقاومة تيار الحداثة والعلمنة الجارف، حيث اختار أتباعه العيش في جزر اجتماعية وثقافية معزولة، محتفظين بنمط حياة يعود بجذوره إلى مجتمعات شرق أوروبا في القرون الماضية. يهدف هذا المقال إلى تسليط الضوء على نشأة الحريديم، واستكشاف مرتكزاتهم العقدية والفكرية، وتحليل طبيعة حياتهم المنعزلة، وموقفهم المعقد من الحركة الصهيونية ودولة إسرائيل، وصولاً إلى استعراض خريطتهم الديموغرافية وانتشارهم الواسع في إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية.</p><h2>النشأة والتاريخ</h2><p>تعود الجذور التاريخية لتيار الحريديم إلى أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر، وتحديداً في مناطق شرق أوروبا والمجر. برز هذا التيار كرد فعل دفاعي قوي ضد حركات التنوير اليهودية (الهاسكالا) التي دعت إلى اندماج اليهود في المجتمعات الأوروبية المحيطة بهم، وتبني الثقافة العلمانية والتعليم الحديث. رأى مؤسسو التيار الأرثوذكسي المتشدد في هذه الدعوات تهديداً وجودياً للهوية اليهودية التقليدية وللشريعة المقدسة.</p><p>تأسست الفكرة الحريدية على مبدأ الرفض القاطع لأي محاولة لإعادة تفسير أو تكييف النصوص الدينية مع متطلبات العصر. وقد تبلورت هذه الحركة من خلال تيارين رئيسيين: التيار "الحسيدي" الذي أسسه الحاخام يسرائيل باعل شيم طوف، والذي ركز على الجانب الروحي والعاطفي في العبادة والارتباط الوثيق بشخصية الحاخام (الرابي)، والتيار "اللتواني" الذي تزعمه الحاخام إلياهو بن شلومو زالمان (المعروف بجاؤون فيلنيوس)، والذي شدد على الأهمية القصوى للتعليم الفقهي الصارم ودراسة التلمود كطريق وحيد للخلاص. ورغم الاختلافات المنهجية بين التيارين، إلا أنهما توحدا في مواجهة العلمنة، مشكلين النواة الصلبة لما يُعرف اليوم بالمجتمع الحريدي.</p><h2>العقيدة والفكر</h2><p>تتمحور العقيدة الحريدية حول الإيمان المطلق بأن التوراة، بشقيها المكتوب والشفهي، هي كلام الله الأزلي الذي لا يقبل التبديل أو التأويل بما يخالف التفسيرات الحاخامية المعتمدة. يعتبر الحريديم أن دراسة التوراة (في المدارس الدينية المعروفة باليشيفات) هي أسمى غاية يمكن أن يفني فيها الإنسان عمره، بل إنهم يعتقدون أن استمرارية العالم بأسره تعتمد على أصوات الدارسين للتوراة.</p><p>بناءً على هذا المعتقد، يكرس معظم الذكور الحريديم حياتهم، حتى سن متأخرة قد تتجاوز الأربعين، لدراسة النصوص الدينية، متخلين عن المشاركة في سوق العمل أو السعي وراء المكاسب المادية. وفي المقابل، يقع عبء إعالة الأسرة غالباً على عاتق النساء اللواتي ينخرطن في أعمال تتناسب مع الضوابط الشرعية الصارمة.</p><p>من الناحية الفكرية، يتبنى الحريديم نظرة قدرية تجاه التاريخ، حيث يؤمنون بأن الخلاص الحقيقي وعودة اليهود إلى أرض الميعاد لا يمكن أن يتحققا إلا بتدخل إلهي مباشر، متمثلاً في ظهور المسيح المنتظر (الماشياح). ولذلك، يعتبرون أي محاولة بشرية للتعجيل بهذا الخلاص، كإقامة دولة سياسية، تدخلاً في الإرادة الإلهية وتمرداً عليها. كما يتميز الفكر الحريدي برفضه القاطع للعلوم الدنيوية الحديثة، كالفلسفة والأدب، معتبراً إياها مصدراً لإفساد العقيدة، ولا يُسمح بتعلم العلوم التطبيقية إلا في أضيق الحدود وللضرورات القصوى كإنقاذ الحياة.</p><h2>الحياة المنعزلة</h2><p>اختار الحريديم طوعاً العيش في عزلة شبه تامة عن المجتمعات العلمانية المحيطة بهم، سواء في إسرائيل أو في الشتات. تتجلى هذه العزلة في تخصيص أحياء سكنية مغلقة، مثل حي "مئة شعاريم" في القدس ومدينة "بني براك"، حيث تُفرض قواعد صارمة على السلوك والمظهر العام.</p><p>يُعد المظهر الخارجي من أبرز سمات الهوية الحريدية؛ إذ يرتدي الرجال المعاطف الطويلة السوداء والقبعات السوداء، ويطلقون لحاهم ويتدلى من آذانهم خصلات من الشعر (البيئوت)، في محاكاة دقيقة لزي يهود شرق أوروبا في القرون الماضية. أما النساء، فيلتزمن بلباس محتشم للغاية، وقد ترتدي بعضهن ما يشبه البرقع (الفرومكا).</p><p>تمتد العزلة لتشمل اللغة، حيث يرفض الكثير من الحريديم التحدث باللغة العبرية الحديثة في حياتهم اليومية، معتبرين إياها لغة مقدسة يجب أن تقتصر على الصلاة وقراءة النصوص الدينية، ويفضلون استخدام لغة "اليديشية" (مزيج من العبرية والألمانية) كلغة تواصل يومي. كما يقاطعون وسائل الإعلام الحديثة كالتلفاز والإنترنت والهواتف الذكية غير الخاضعة للرقابة الحاخامية، لحماية مجتمعهم من التأثيرات الثقافية الخارجية.</p><h2>الموقف من الصهيونية والدولة</h2><p>يتسم موقف الحريديم من الحركة الصهيونية ودولة إسرائيل بالتعقيد والتباين. تاريخياً، عارضت القيادات الحريدية الحركة الصهيونية بشراسة منذ نشأتها، معتبرة إياها حركة علمانية متمردة تسعى لاستبدال الهوية الدينية اليهودية بهوية قومية علمانية، وتحاول استباق الإرادة الإلهية في إقامة دولة لليهود قبل مجيء المسيح المنتظر.</p><p>ومع قيام دولة إسرائيل عام 1948، انقسم الحريديم في تعاطيهم مع الواقع الجديد. تيار الأقلية، المتمثل في جماعات مثل "ناطوري كارتا" (حراس المدينة)، استمر في رفضه المطلق للاعتراف بالدولة، بل ويقوم بحرق العلم الإسرائيلي في المناسبات الوطنية، ويدعو إلى تفكيك الدولة سلمياً.</p><p>أما تيار الأغلبية، فقد تبنى موقفاً براغماتياً يُعرف بـ "الاعتراف بحكم الأمر الواقع". فهم لا يعترفون بالشرعية الدينية للدولة، لكنهم يشاركون في الحياة السياسية والبرلمانية (عبر أحزاب مثل "يهدوت هتوراة" و"شاس") بهدف حماية مصالح مجتمعهم، وتأمين التمويل الحكومي لمدارسهم الدينية، والحفاظ على استقلالية مؤسساتهم.</p><p>تُعد قضية التجنيد الإجباري من أبرز نقاط الصدام بين الحريديم والدولة. يرفض الحريديم بشدة الانخراط في الجيش الإسرائيلي، معتبرين أن دراسة التوراة هي الحماية الحقيقية للشعب، وأن البيئة العسكرية تهدد التزام الشباب بالشريعة. وقد أدى هذا الرفض إلى أزمات سياسية متكررة، خاصة مع تصاعد المطالبات العلمانية بـ "المساواة في تحمل العبء"، وصدور قرارات قضائية تلغي الإعفاءات الشاملة الممنوحة لطلاب المدارس الدينية.</p><h2>الانتشار والواقع المعاصر</h2><p>يشهد المجتمع الحريدي نمواً ديموغرافياً استثنائياً، يُعزى بالأساس إلى تحريم تحديد النسل واعتبار الإنجاب الكثيف واجباً دينياً. يبلغ متوسط عدد الأطفال للأسرة الحريدية بين 6 إلى 7 أطفال، مما يجعل معدل نموهم السكاني (حوالي 4% سنوياً) من أعلى المعدلات في العالم المتقدم.</p><p>وفقاً للإحصاءات الحديثة، يُقدر عدد الحريديم عالمياً بنحو 2.1 مليون نسمة، يتركز 92% منهم في دولتين رئيسيتين: إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية. في إسرائيل، يبلغ عددهم حوالي 1.2 مليون نسمة، مشكلين نحو 17% من إجمالي السكان اليهود، مع توقعات بأن تصل هذه النسبة إلى 25% بحلول عام 2040. أما في الولايات المتحدة، فيُقدر عددهم بنحو 700 ألف نسمة، يتركزون بشكل خاص في أحياء معينة بولاية نيويورك مثل بروكلين.</p><p>يفرض هذا النمو الديموغرافي السريع تحديات اقتصادية واجتماعية هائلة. ففي إسرائيل، يعاني المجتمع الحريدي من معدلات فقر وبطالة مرتفعة نتيجة عزوف الرجال عن سوق العمل واعتمادهم على المخصصات الحكومية. ومع تزايد أعدادهم، تتزايد الضغوط لدمجهم في الاقتصاد الوطني والخدمة العسكرية، مما ينذر بتصاعد التوترات الثقافية والسياسية بين المعسكرين الديني والعلماني في المستقبل المنظور.</p><h2>خاتمة</h2><p>يمثل الحريديم ظاهرة سوسيولوجية ودينية بالغة التعقيد؛ فهم ليسوا مجرد بقايا من الماضي، بل مجتمع حي وديناميكي نجح في بناء أسوار منيعة لحماية هويته في وجه الحداثة. من خلال التمسك الصارم بالعقيدة، واختيار العزلة الطوعية، والتعامل البراغماتي الحذر مع مؤسسات الدولة، تمكن الحريديم من تحويل ضعفهم العددي الأولي إلى قوة ديموغرافية وسياسية لا يُستهان بها. إن فهم طبيعة هذا المجتمع، بمرتكزاته الفكرية وتناقضاته الداخلية، يُعد أمراً لا غنى عنه لاستشراف مستقبل التحولات الاجتماعية والسياسية، ليس فقط داخل إسرائيل، بل في المشهد اليهودي العالمي بأسره.</p>