في يناير 2023، كان جنسن هوانغ يُدير شركة رقائق إلكترونية ناجحة لكنها بعيدة عن الأضواء. وكان سام ألتمان يُدير شركة ناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي لا يعرفها سوى المتخصصين.
اليوم، جنسن هوانغ ثروته تتجاوز 120 مليار دولار، وشركته NVIDIA أصبحت الثالثة في قائمة أغلى شركات العالم. وسام ألتمان يُدير OpenAI التي تُقدَّر بـ 157 مليار دولار، ويُعتبر الرجل الأكثر تأثيراً في مستقبل البشرية.
ما الذي حدث؟ وكيف تحوّل الذكاء الاصطناعي من حلم أكاديمي إلى أضخم ثروة في التاريخ؟
جنسن هوانغ: الرجل الذي راهن على المستقبل قبل 30 عاماً
وُلد جنسن هوانغ في تايوان عام 1963، وهاجر إلى الولايات المتحدة وهو في التاسعة من عمره. كان يعمل في مطعم للوجبات السريعة لتمويل دراسته في جامعة ستانفورد. لم يكن يبدو أنه سيُغيّر العالم.
في عام 1993، أسّس هوانغ شركة NVIDIA مع شريكين، وكان هدفهم الأول بسيطاً: صنع رقائق لألعاب الفيديو. لكن هوانغ كان يرى شيئاً آخر: رأى أن الرسومات ثلاثية الأبعاد تحتاج نوعاً مختلفاً من المعالجة — معالجة متوازية تُنجز آلاف العمليات في آنٍ واحد.
هذا الرهان بدا غريباً لسنوات. لكن حين جاء الذكاء الاصطناعي، اكتشف العالم أن تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي يحتاج بالضبط ما صنعه هوانغ: معالجة متوازية هائلة. رقائق GPU التي صنعتها NVIDIA للألعاب أصبحت فجأة العمود الفقري للذكاء الاصطناعي.
اليوم، 80% من رقائق الذكاء الاصطناعي في العالم تصنعها NVIDIA. كل شركة تريد تدريب نموذج ذكاء اصطناعي — من OpenAI إلى Google إلى Meta — تشتري من هوانغ. وهو يبيع بأسعار خيالية: الرقاقة الواحدة H100 تُكلّف 40,000 دولار، والشركات تشتريها بالآلاف.
هوانغ لا يُدير شركة — هو يُدير البنية التحتية للذكاء الاصطناعي كله. وهذا ما يجعله أثرى من بيل غيتس.
سام ألتمان: الشاب الذي فتح صندوق باندورا
سام ألتمان وُلد في شيكاغو عام 1985. ترك جامعة ستانفورد في السنة الثانية لتأسيس شركة ناشئة. في عام 2014، أصبح رئيساً لـ Y Combinator — أشهر حاضنة للشركات الناشئة في العالم.
لكن الفصل الحقيقي بدأ عام 2015 حين أسّس مع إيلون ماسك وآخرين شركة OpenAI كمنظمة غير ربحية بهدف "تطوير الذكاء الاصطناعي لصالح البشرية جمعاء." كان الهدف نبيلاً. والتمويل كان من ماسك وغيره.
ثم جاء ChatGPT في نوفمبر 2022. في خمسة أيام فقط، وصل إلى مليون مستخدم. في شهرين، وصل إلى 100 مليون. لم يحدث هذا لأي منتج في التاريخ.
ألتمان أدرك أنه يمتلك شيئاً لم يمتلكه أحد من قبل: تقنية تُغيّر كل شيء. وبدأ يتحرك بسرعة لا تُصدّق. جمع 10 مليارات دولار من Microsoft. ثم 6.6 مليارات في جولة تمويل واحدة. وأعلن عن خطط لجمع 40 مليار دولار إضافية.
اليوم، OpenAI تُقدَّر بـ 157 مليار دولار، وألتمان يمتلك حصة شخصية تُقدَّر بأكثر من 7 مليارات دولار — وهي ترتفع كل يوم.
ديميس هاسابيس: العبقري الهادئ
بينما يتصدّر هوانغ وألتمان الأضواء، يعمل ديميس هاسابيس في هدوء من مقر Google DeepMind في لندن. هاسابيس وُلد عام 1976 في لندن لأب قبرصي وأم صينية سنغافورية. كان بطل شطرنج في سن الثانية عشرة، وطوّر ألعاب فيديو في سن السابعة عشرة، ثم حصل على دكتوراه في علم الأعصاب الحسابي.
في عام 2010، أسّس DeepMind التي استحوذت عليها Google عام 2014 بـ 500 مليون دولار. وفي عام 2016، صدم العالم حين هزم برنامجه AlphaGo بطل العالم في لعبة الغو — اللعبة التي كان يُعتقد أن الذكاء الاصطناعي لن يتمكن منها لعقود.
لكن أعظم إنجازاته جاء عام 2020: AlphaFold حلّ مشكلة طيّ البروتين التي حيّرت العلماء 50 عاماً. هذا الاكتشاف وحده يمكن أن يُؤدي إلى علاج لأمراض مثل الزهايمر والسرطان. وفي عام 2024، حصل هاسابيس على جائزة نوبل في الكيمياء لهذا الإنجاز.
ثروته الشخصية تُقدَّر بأكثر من 2 مليار دولار، لكن تأثيره على البشرية يفوق ذلك بكثير.
من سيكون أثرى أثرياء الذكاء الاصطناعي؟
الإجابة ليست واضحة بعد. لكن المؤكد أن الذكاء الاصطناعي سيُنتج أثرياء جدداً لم نسمع بهم بعد — تماماً كما أنتج الإنترنت بيزوس وزوكربيرغ من العدم.
المفارقة الكبرى هي أن هوانغ وألتمان وهاسابيس لم يبدأوا بهدف الثراء. هوانغ أراد صنع رقائق أفضل. ألتمان أراد تطوير الذكاء الاصطناعي لصالح البشرية. هاسابيس أراد فهم الذكاء البشري. الثروة جاءت نتيجة لا هدفاً.
وهذا ربما هو الدرس الأعمق: أكبر الثروات في التاريخ بُنيت من قِبل أشخاص كانوا مهووسين بحل مشكلة، لا بجمع المال.