شارك هذا المقال

حجم الخط:(عادي)

مقدمة أدبية

في رحابِ الكلمةِ الصادقةِ، حيثُ تتكسّرُ قيودُ الصمتِ وتتجلّى روحُ التمرّدِ، يبرزُ اسمٌ لشاعرٍ لم يرضَ بالهوانِ، ولم يساومْ على الحقيقةِ. إنه أحمد مطر، الذي لم يكنْ مجردَ ناظمٍ للقصائدِ، بل كانَ صوتاً مدوّياً يصدحُ بالحقِّ في وجهِ الباطلِ، ولساناً لاذعاً يسخرُ من زيفِ الأنظمةِ وفسادِها. شاعرٌ عراقيٌّ، وُلدَ في أحضانِ البصرةِ، وترعرعَ على ضفافِ دجلةَ والفراتِ، ليحملَ في وجدانِهِ همومَ أمةٍ، ويترجمَ آلامَها إلى لافتاتٍ شعريةٍ خالدةٍ، باتتْ أيقونةً للرفضِ والمقاومةِ. فمن هو هذا الشاعرُ الذي اختارَ دربَ الشوكِ، وارتضى أن يكونَ "شاعرَ اللاءاتِ"، وأن يُعلّقَ لافتاتِهِ على جدرانِ الصمتِ، ليُوقظَ الضمائرَ ويُحرّكَ السواكنَ؟

سيرة موثقة

وُلدَ الشاعرُ أحمدُ بنُ حسنِ بنِ مطرٍ في الأولِ من يناير/كانون الثاني عام 1954م، في قريةِ التنومةِ التابعةِ لقضاءِ شطِّ العربِ في البصرةِ جنوبَ العراقِ [1]. كانَ الابنَ الرابعَ لعائلةٍ فقيرةٍ تتألفُ من عشرةِ أبناءٍ وبناتٍ. قضى طفولتَهُ في ربوعِ التنومةِ الهادئةِ، ثم انتقلَ مع عائلتِهِ إلى محلةِ الأصمعيِّ في البصرةِ. دفعتْهُ الظروفُ الماديةُ الصعبةُ إلى الانتقالِ إلى بغدادَ للعيشِ في كنفِ أخيهِ الأكبرِ عليٍّ في منطقةِ الزعفرانيةِ [2].

تأثرَ أحمد مطر بوالدتِهِ التي كانتْ شاعرةً شعبيةً بالفطرةِ، ترتجلُ القصائدَ وترثي الموتى، كما تأثرَ ببيئةِ قريتِهِ الريفيةِ الوادعةِ بأنهارِها ونخيلِها وبيوتِها البسيطةِ. أكملَ دراستَهُ الابتدائيةَ في مدرسةِ العدنانيةِ، ثم المتوسطةَ في مدرسةِ الأصمعيِّ الإعداديةِ، لكنَّ الملاحقاتِ الأمنيةَ حالتْ دونَ إكمالِهِ تعليمَهُ [1].

في سنِّ الرابعةَ عشرةَ، بدأَ أحمد مطر بكتابةِ الشعرِ، وكانتْ قصائدُهُ الأولى تدورُ في فلكِ الغزلِ والرومانسيةِ. لكنَّ الواقعَ السياسيَّ المريرَ الذي كانتْ تمرُّ بهِ بلادُهُ والبلادُ العربيةُ، حوّلَ مسارَهُ الشعريَّ نحو السياسةِ. يقولُ مطرُ عن هذهِ المرحلةِ: "ألقيتُ بنفسي مبكراً في دائرةِ النارِ، عندما تكشّفتْ لي خفايا الصراعِ بينَ السلطةِ والشعبِ، ولم تطاوعني نفسي على الصمتِ أولاً، وعلى ارتداءِ ثيابِ العرسِ في المآتمِ ثانياً، فجذبتُ عنانَ جوادي ناحيةَ ميدانِ الغضبِ" [1].

تعرضَ أحمد مطر للسجنِ في مدينةِ الكوتِ أثناءَ تأديتِهِ الخدمةَ العسكريةَ، لرفضِهِ إلقاءَ قصيدةٍ في احتفالاتِ ثورةِ تموزَ. وفي هذهِ الفترةِ، فقدَ شقيقَهُ الأصغرَ زكي في حادثِ سيارةٍ قيلَ إنهُ مدبّرٌ، ثم شقيقَهُ خالدَ الذي قُتلَ شنقاً [2].

في منتصفِ العشرينياتِ من عمرِهِ، اشتدتْ عليهِ المضايقاتُ الأمنيةُ، ففرَّ إلى الكويتِ. عملَ هناكَ مدرساً في المرحلةِ الابتدائيةِ، ومحرراً في صحيفةِ الخليجِ العربيِّ، ثم انضمَّ إلى صحيفةِ القبسِ الكويتيةِ محرراً ثقافياً. في القبسِ، بدأَ بنشرِ "لافتاتِهِ" التي اشتهرَ بها، وتعاونَ معَ رسامِ الكاريكاتيرِ الفلسطينيِّ ناجي العليِّ. كانتْ لافتاتُ مطرٍ تفتتحُ الصفحةَ الأولى للصحيفةِ، بينما يختتمُها ناجي العليُّ بلوحاتِهِ الكاريكاتيريةِ [2].

أثارتْ قصائدُهُ الحادةُ وسخريتُهُ اللاذعةُ حفيظةَ السلطاتِ العربيةِ، مما أدى إلى صدورِ قرارٍ بنفيهِ وناجي العليِّ معاً من الكويتِ. انتقلَ الاثنانِ إلى لندنَ عامَ 1986م. وفي لندنَ، اغتيلَ ناجي العليُّ، مما أثرَ في مطرٍ تأثيراً بالغاً، ورثاهُ بقصيدةٍ عموديةٍ طويلةٍ [2].

استمرَّ مطرٌ في العملِ معَ مكاتبِ القبسِ الدوليةِ في لندنَ، لكنَّ علاقتَهُ بها ساءتْ بسببِ بعضِ قصائدِهِ، فانفصلَ عنها، وبدأَ ينشرُ قصائدَهُ ومقالاتِهِ في صحيفةِ الرايةِ القطريةِ. لاحقاً، اعتزلَ أحمد مطرُ الناسَ والإعلامَ، وعاشَ في لندنَ مكتفياً بأسرتهِ، ومعاناتِهِ معَ مرضِ السرطانِ [2].

أبرز القصائد المشكّلة

يُعرفُ أحمد مطرُ بـ"شاعرِ اللافتاتِ"، وهي قصائدُ قصيرةٌ مكثفةٌ، تحملُ نقداً لاذعاً للواقعِ السياسيِّ والاجتماعيِّ. إليكَ بعضٌ من أبرزِ قصائدِهِ المشكّلةِ:

قصيدة: حالات

بِالتَّمادِي . . . يُصبِحُ اللِّصُّ بِأُورُبَّا مُدِيراً لِلنَّوَادِي،

وَبِأَمْرِيكَا، زَعِيماً لِلْعِصَابَاتِ وَأَوْكَارِ الْفَسَادِ،

وَبِأَوْطَانِي الَّتِي مِنْ شَرْعِهَا قَطْعُ الْأَيَادِي،

.يُصبِحُ اللِّصُّ . . . زَعِيماً لِلْبِلَادِ،

قصيدة: صناديق

وَضعُنـا وَضْـعٌ عَجيبْ !

هكـذا ..

نَصحـو

فَيصْحـو فَوقَنـا شـيءٌ مُريبْ .

وَعلى الفـورِ يُسمّينا "الأحبّـاءَ"

وفـي الحـالِ نُسمّيه "الحبيبْ" !

نَحـنُ لا نسألُهُ كيفَ أتانا ..

وَهْـوَ لا شـأنَ لَـهُ فـي أن يُجـيـبْ .

ثُـمَّ نغفـو

سـائلينَ اللّهَ أن يجعَـلَهُ خيـراً

وفـي أحلامِنـا

نَسـالُـهُ أن يَسـتجيبْ !

نَحـنُ والحَـظُّ ..

وحيناً يُخفِـقُ الحـظُّ

وأحيانـاً يَخيـبْ !

يَمخَـضُ "الشـيءُ"

فإمّـا هُـوَ ذئـبٌ يَرتـدي جِـلدَ غَـزالٍ

أو غَـزالٌ يقتَنـي أنيابَ ذيـبْ !

وَهْـوَ إمّـا صِحَّـةٌ تَنضَـحُ داءً

أو مَمـاتٌ يَرتَـدي ثَـوبَ طبيبْ !

*

ثُـمَّ نَصـحو ..

فإذا الشـيءُ الّذي نَعـرفُهُ..ولّـى

وقـد خَلَّفَـهُ مِن فَـوقِنـا شـيءٌ غَـريـبْ .

وإذا الشـيءُ العَقيدُ الرّكـنُ هـذا

يَمتطـي دبّـابَـةً

أفضَـلَ مِـن دبّـابـةِ الشـيءِ النّقيـبْ !

وعـلى الفَـورِ يُسمّينـا "الأحبّـاءَ"

وفي الحـالِ نُسـمّيهِ "الحبيبْ" .

ثُـمَّ نغفـو

سـائلينَ اللّهَ أن يلحقَ بالسّـابقِ

فـي وقـتٍ قريـبْ .

*

فـي بـلادِ النّاسِ

يأتـي "الشَّخْـصُ" مَحمولاً إلى النّاسِ

بِصُنـدوقِ اقتـراعٍ ..

وبِبُلـدانِ الصّنـاديقِ

يَجـيءُ "الشّـيءُ" مَحمـولاً

بِكيسِ ( اليانَصـيبْ ) !

قصيدة: ليلة

لِشهرزادَ قِصّةٌ

تبدأُ في الخِتامْ

في اللّيلةِ الأولى صَحَتْ

وشهْريارُ نامْ .

ظلّتْ طِوالَ ليلِها

تَكْذِبُ بانتِظامْ

كانَ الكلامُ ساحِراً ..

أرّقهُ الكلامْ

حاولَ ردَّ نومِهِ

لم يستَطِعْ .. فقامْ

وصاحَ : يا غُلامْ

خُذْها لبيتِ أْهلِها

لا نفعَ لي بِمثْلِها

تكْذِبُ ِكذباً صادِقاً

يُبقي الخيالَ مُطْلَقاً

ويحبِسُ المَنامْ

قَلِقْتُ مِنْ قِلْقا لِها

أُريدُ أنْ أَنامْ

خُذْها، وَضَعْ مكانَها ..

وِزارةَ الإعْلامْ

قصيدة: إهانة

رَأَتِ الدُّوَلُ الْكُبْرَى

تَبْدِيلَ الْأَدْوَارْ

فَأَقَرَّتْ إِعْفَاءَ الْوَالِي

وَاقْتَرَحَتْ تَعْيِينَ حِمَارْ!

وَلَدَى تَوْقِيعِ الْإِقْرَارْ

نَهَقَتْ كُلُّ حَمِيرِ الدُّنْيَا بِاسْتِنْكَارْ:

نَحْنُ حَمِيرَ الدُّنْيَا، لَا نَرْفُضُ أَنْ نُتْعَبْ

أَوْ أَنْ نُرْكَبْ، أَوْ أَنْ نُضْرَبْ

أَوْ حَتَّى أَنْ نُصْلَبْ؛

لَكِنْ نَرْفُضُ فِي إِصْرَارْ

أَنْ نَغْدُوَ خَدَماً لِلِاسْتِعْمَارْ.

إِنَّ حُمُورِيَّـتَنَا تَأْبَى

أَنْ يَلْحَقَنَا هَذَا الْعَارْ!

قصيدة: عقوبات شرعية

بَتَرَ الْوَالِي لِسَانِي

عِنْدَمَا غَنَّيْتُ شِعْرِي

دُونَ أَنْ أَطْلُبَ تَرْخِيصاً بِتَرْدِيدِ الْأَغَانِي

*

بَتَرَ الْوَالِي يَدِي لَمَّا رَآنِي

فِي كِتَابَاتِيَ أَرْسَلْتُ أَغَانِيَّ

إِلَى كُلِّ مَكَانِ

*

وَضَعَ الْوَالِي عَلَى رِجْلَيَّ قَيْداً

إِذْ رَآنِي

بَيْنَ كُلِّ النَّاسِ أَمْشِي

دُونَ كَفِّي وَلِسَانِي

صَامِتاً أَشْكُو هَوَانِي

*

أَمَرَ الْوَالِي بِإِعْدَامِي

لِأَنِّي لَمْ أُصَفِّقْ

-عِنْدَمَا أَمَرَ-

وَلَمْ أَهْتِفْ

وَلَمْ أَبْرَحْ مَكَانِي!

خاتمة تترك أثراً

يظلُّ أحمد مطرُ، بـ"لافتاتِهِ" التي اخترقتْ جدرانَ الصمتِ، رمزاً للكلمةِ الحرةِ والصوتِ الرافضِ. لم يكنْ مجردَ شاعرٍ يكتبُ القصائدَ، بل كانَ ضميراً حياً لأمةٍ، ومرآةً عكستْ قبحَ الواقعِ وفسادَ الأنظمةِ. لقد تركَ إرثاً شعرياً خالداً، لا يزالُ يترددُ صداهُ في وجدانِ كلِّ من يؤمنُ بالحريةِ والعدالةِ. ففي كلِّ "لافتةٍ" من لافتاتِهِ، صرخةٌ في وجهِ الظلمِ، ودعوةٌ إلى التغييرِ، وتأكيدٌ على أنَّ الكلمةَ الصادقةَ أقوى من السيفِ، وأنَّ الحقَّ لا يموتُ ما دامَ هناكَ من يصدحُ بهِ. وهكذا، يظلُّ أحمد مطرُ "شاعرَ اللاءاتِ"، الذي قالَ "لا" بصوتٍ عالٍ، وعلّمَ الأجيالَ كيفَ يكونُ الشعرُ سلاحاً في معركةِ الوعيِ والتحررِ.

المراجع

[1] أحمد مطر - ويكيبيديا. (تاريخ غير معروف). تم الاسترجاع من https://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%A3%D8%AD%D9%85%D8%AF_%D9%85%D8%B7%D8%B1

[2] أحمد مطر شاعر عراقي "ولد ولم يعش ومع ذلك سيموت" | موسوعة - الجزيرة نت. (2025, يونيو 2). تم الاسترجاع من https://www.aljazeera.net/encyclopedia/2025/6/2/%D8%A3%D8%AD%D9%85%D8%AF-%D9%85%D8%B7%D8%B1-%D8%B4%D8%A7%D8%B9%D8%B1-%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82%D9%8A-%D9%88%D9%84%D9%85-%D9%8A%D8%B9%D8%B4-%D9%88%D9%84%D9%85-%D9%8A%D9%85%D8%AA-%D9%88%D9%85%D8%B9-%D8%B0%D9%84%D9%83