حجم الخط:(عادي)

عبدالله الحارثي: قامة شعرية وثقافية عمانية معاصرة

يُعد الشاعر والكاتب العماني عبدالله بن أحمد الحارثي من الشخصيات الثقافية البارزة في سلطنة عمان، حيث ترك بصمات واضحة في المشهد الأدبي والثقافي من خلال مسيرته الحافلة بالعطاء والإنجاز. يجمع الحارثي في شخصيته بين الرؤية الإدارية العميقة والروح الشاعرة المرهفة، مما أهّله ليكون أحد رواد التوثيق الثقافي والشعري في بلاده. تتجلى إسهاماته في العديد من المجالات، بدءًا من عمله في ديوان البلاط السلطاني وصولاً إلى تأسيسه للمؤسسات الأدبية ومشاركاته الفاعلة في المهرجانات الشعرية.

وُلد عبدالله الحارثي في قرية المضيرب بولاية القابل بمحافظة شمال الشرقية، وهي منطقة عُرفت بثرائها الثقافي والطبيعي، مما كان له أثر بالغ في تشكيل وعيه وذائقته الأدبية. بدأت رحلته التعليمية في عام 1963 بالالتحاق بمدرسة القرآن الكريم، وهي نقطة الانطلاق التي رسخت لديه حب اللغة العربية وجمالياتها. هذه النشأة المبكرة في بيئة عمانية أصيلة، غنية بالتراث الشفوي والشعري، ساهمت في صقل موهبته الشعرية وتوجيهها نحو الشعر النبطي والشعبي الذي يعكس روح المجتمع العماني وقيمه.

على الصعيد المهني، أمضى الحارثي نحو 44 عامًا في خدمة ديوان البلاط السلطاني، حيث تدرج في المناصب حتى وصل إلى مستشار إداري في مكتب رئيس الشؤون الإدارية والمالية. هذه المسيرة الإدارية الطويلة لم تمنعه من الانغماس في عالم الأدب والثقافة، بل ربما أثرت تجربته ومنحته منظورًا أوسع للحياة والمجتمع. وقد عكس هذا التوازن بين العمل الإداري والنشاط الثقافي قدرته على الجمع بين الدقة التنظيمية والإبداع الفني.

تتجلى بصمات الحارثي الثقافية في عدة محطات، فقد كانت له إسهامات مبكرة في مجلة الغدير خلال الفترة من 1977 إلى 1984، حيث أثرى صفحاتها بمقالاته وكتاباته. كما أسس دار الخليلي بن أحمد الفراهيدي، التي هدفت إلى صقل مواهب الشعر والكتابة الأدبية، مما يؤكد دوره الريادي في دعم الحركة الثقافية والأدبية في عمان. لم تقتصر جهوده على ذلك، بل شارك بفاعلية في العديد من مهرجانات الشعر العماني وندواته، وعمل على جمع وتنسيق وإصدار عدد من الدواوين الشعرية التي احتفت بمناسبات وطنية مختلفة، مما يعكس التزامه بتوثيق الذاكرة الشعرية للوطن.

في عام 2025، صدر للحارثي كتاب بعنوان "مشاء في الثقافة" عن دار لبان للنشر، وهو كتاب يوثق سيرته الذاتية والإنسانية والزمانية والمكانية عبر 270 صفحة من القطع الكبير. يقدم الكتاب رحلته المتعددة الأوجه بين الوظيفة الرسمية ومسيرته في الحقول الثقافية، ويعد مرجعًا مهمًا لفهم تطور المشهد الثقافي في عمان. وقد أشار الشيخ الشاعر محمد بن عبدالله الخليلي إلى أهمية الكتاب باعتباره شاهد عصر وجزءًا من التاريخ، ورواية حية تتناقلها الأجيال لتتعلم منها. كما أشاد الشاعر أحمد بن هلال العبري بالكتاب في قصيدة خاصة، مما يدل على مكانته الأدبية والثقافية.

على الرغم من أن المصادر المتاحة لا تفصل بشكل دقيق في أسلوبه الشعري النبطي أو تذكر قصائد نبطية محددة له، إلا أن مشاركاته في مهرجانات الشعر العماني ودوره في صقل المواهب الشعرية يشيران إلى اهتمامه بهذا اللون الشعري الأصيل. يُعرف الشعر النبطي بكونه مرآة تعكس حياة البادية والحضر في الخليج، ويتميز بصدق العاطفة، وقوة التعبير، وجمال الصورة، والاعتماد على اللهجة المحلية. من المرجح أن أسلوب الحارثي في الشعر النبطي يميل إلى هذه السمات، مع التركيز على الموضوعات الوطنية والاجتماعية والإنسانية التي تلامس وجدان المجتمع العماني. إن كتابه "مشاء في الثقافة"، الذي يوثق رحلته، قد يحتوي على إشارات أو نصوص شعرية تعكس هذا الجانب من إبداعه.

في الختام، يظل عبدالله الحارثي قامة ثقافية وشعرية تستحق التقدير، فقد أسهم بفكره وجهده في إثراء الساحة الثقافية العمانية، وترك إرثًا أدبيًا وإداريًا يضيء دروب الأجيال القادمة. إن الجمع بين مسيرته المهنية الحافلة وإسهاماته الأدبية المتنوعة يجعله نموذجًا للمثقف الذي يخدم وطنه في مختلف الميادين، محافظًا على هويته الثقافية ومطورًا لمشهدها الأدبي.